بديل ـ الرباط

أعاد كتاب "الأمير المنبوذ" لصاحبه الأمير هشام، ذاكرة بعض المغاربة إلى كتاب آخر، هز عرش الحسن الثاني، بالقدر الذي لم تهزه كل الانقلابات التي شهدها عهده، حتى إن بعض المتتبعين اليوم يتساءلون: كيف سيتعامل محمد السادس مع كتاب "الأمير المنبوذ"؟

"صديقنا الملك" لصاحبه الصحفي الفرنسي جيل بيرو، كتاب قهر الحسن الثاني، لدرجة دفعته إلى إدانته مباشرة على التلفزة المغربية، وهو الذي لم يقهره لا جبروت عسكر ولا مناورات اشتراكيين ولا تقية إسلاميين، حتى قضى فوق كرسي العرش زهاء أربعين سنة من الحكم، لم تخل سنة واحدة منها من العواصف الاجتماعية والسياسية والعسكرية.

وإذ يعيد "بديل" نشر الكتاب على شكل حلقات مساء كل يوم فليس معنى هذا أنه يتبنى ما ورد فيه، وإنما غايته إطلاع زوراه، ممن فاتهم قراءة الكتاب، على الحديقة السرية لواحد من أكثر الملوك العلويين إثارة للجدل على طول تاريخ حكم هذه العائلة للمغرب.

لم تثر مؤامرة العام 1960، التي زُعم أنها دُبرت ضد ولي العهد مطلقا، الرأي العام الفرنسي. لم تعقبها أية قضية، ثم الا يظهر العفو المبكر الذي أعلنه محمد الخامس بطلانها؟

أما موضوع مؤامرة تموز 1963 فقد أحدث ردة انفعالية عميقة في فرنسا. حرب الجزائر زادت من قوة الروابط التي أقامها معظم قادة حزب الاتحاد الوطني للقوى الشعبية، خلال متابعتهم لدراستهم، مع مثقفي اليسار البارسيين، احتُفي بعبد الرحيم بوعبيد أول سفير للمغرب في فرنسا أكثر من اي دبلوماسي أجنبي.

وكان اليوسفي نقيب المحامين المغاربة، وأحد نجوم المؤامرة يحظى باحترام عميق إنسانيته وإيمانه بفضائل الحوار، مهدي العلوي، الناجي من"حادث" سيارة بن بركة، ونائب سلا، الذي أوقف وعُذب تربطه صداقة عميقة مع سارتر ومورياك.

كان الحشد المعنوي والتعاطف مع الموقوفين على قدر التأثر الذي أحدثته موجة التوقيفات التي لا سابق لها، وخاصة بما رافقها من وسائل تعذيب مختلفة. أعلنت شخصيات، لهم من ماضيهم ما يبعدهم عن أية شبهة، صراحة ، استنكارهم لما يحدث، منهم شارل آندريه جوليان صديق محمد الخامس، وجزيل حليمي المحامية الجريئة بدفاعها عن المقاومين الجزائريين.

اختار العديد من المتهمين محامين فرنسيين للدفاع عنهم فاتفاقية 1957 الفرنسية- المغربية تعطي لهؤلاء الحق بالترافع في المغرب، كما أنها تمنح المحامين المغاربة الحق نفسه في فرنسا. غير أن المحكمة، مع اعترافها بهذا الحق، رفضت السماح لهم باستخدامه بذريعة أنهم لا يتكلمون العربية.

اختار المتهمون عندئذ بعض المحامين الجزائريين، أوقف هؤلاء، وفُتشوا تفتيشا دقيقا وصودرت ملفاتهم، وطردوا من المغرب.
بدأ النظر في القضية، بتاريخ 22 تشرين الثاني 1963، أمام محكمة الرباط، ومثل ستة وثمانون متهما في القفص من أصل مئة واثنين، حوكم المهدي بن بركة وسبعة عشر من رفاقه غيابيا.

كان محامو الدفاع عديدين، وعلى رأسهم عبد الرحيم بوعبيد الذي برهنت مرافعات عن جرأته وموهبته.

هذا الرجل الفريد، وهو آنذاك في الثالثة والأربعين من العمر، يبدو بمظهر بورجوازي مسيطر. مع طبع هادئ وظُرف مميزين للارستقراطية البريطانية، واقتصاد كبير في الحركات والانفعال، وصوت نادراً ما يصل إلى الصراخ. ولد في سلا في دكان حذّاء، وقد بدأ حياته معلما، وتابع الدراسة الحرة وهو يمارس التعليم إلى أن حصل على الشهادة الثانوية ( البكالوريا) فذهب إلى باريس، ومن جامعتها فاز بإجازة في الحقوق ودبلوم في العلوم السياسية. انتسب إلى حزب الاستقلال في العام 1943، ومرت عليه أيام قضى بعضها في السجون.

غدا ممثل الحزب في أوروبا، حيث اكتشف عالم العمال بتنظيمه المهاجرين منهم.

كان يتردد على ليون بلوم ويعتبره أحد أساتذته.

وعند عومته إلى المغرب في العام 1949 نجح مع محجوب بن صديق في الإشراف على اللجنة العامة للعمال CGT التي غدت اتحاد العمال المغربي UMT .
في كانون الأول من العام 1952 سببت له تظاهرات الدار البيضاء توقفا جديدا في السجن، حيث قضى سنتين ثم أطلق سراحه. كان في طليعة الوفد المفاوض في إكس-لي-بان، ثم غدا سفير المغرب في فرنسا، استدعى إلى بلاده بعد حادثة خطف بن بيلا، وسمي وزيرا للاقتصاد في حكومة عبد الله ابراهيم، بعد إقالة تلك الحكومة، انصرف إلى النشاط الحزبي في الأمانة العامة للاتحاد الوطني للقوى الشعبية.

كان بن بركة أكثر نفوذا في الحزب بشخصيته العاصفة، والفقيه البصري أكثر اعتبارا بسبب ماضيه، لكن تنقلات الأول العديدة في أسفار خارج البلاد، وتفضيل الثاني البقاء في الظل، جعلت من بوعبيد ما اشتهر به خلال عقود من الزمن: الممثل البارز للمعارضة المغربية.