بديل ـ الرباط

أعاد كتاب "الأمير المنبوذ" لصاحبه الأمير هشام، ذاكرة بعض المغاربة إلى كتاب آخر، هز عرش الحسن الثاني، بالقدر الذي لم تهزه كل الانقلابات التي شهدها عهده، حتى إن بعض المتتبعين اليوم يتساءلون: كيف سيتعامل محمد السادس مع كتاب "الأمير المنبوذ"؟
أعاد كتاب "الأمير المنبوذ" لصاحبه الأمير هشام، ذاكرة بعض المغاربة إلى كتاب آخر، هز عرش الحسن الثاني، بالقدر الذي لم تهزه كل الانقلابات التي شهدها عهده، حتى إن بعض المتتبعين اليوم يتساءلون: كيف سيتعامل محمد السادس مع كتاب "الأمير المنبوذ"؟
"صديقنا الملك" لصاحبه الصحفي الفرنسي جيل بيرو، كتاب قهر الحسن الثاني، لدرجة دفعته إلى إدانته مباشرة على التلفزة المغربية، وهو الذي لم يقهره لا جبروت عسكر ولا مناورات اشتراكيين ولا تقية إسلاميين، حتى قضى فوق كرسي العرش زهاء أربعين سنة من الحكم، لم تخل سنة واحدة منها من العواصف الاجتماعية والسياسية والعسكرية.

وإذ يعيد "بديل" نشر الكتاب على شكل حلقات مساء كل يوم فليس معنى هذا أنه يتبنى ما ورد فيه، وإنما غايته إطلاع زوراه، ممن فاتهم قراءة الكتاب، على الحديقة السرية لواحد من أكثر الملوك العلويين إثارة للجدل على طول تاريخ حكم هذه العائلة للمغرب.
ندد الاتحاد الوطني للطلاب بهذه القضية"المختلفة من قبل السلطة". وذكرت الجبهة الوطنية من جهتها أن"جميع الضحايا باستثناء قلة منهم تعرضوا للتعذيب شديد في جميع مراحل توقيفهم، وفي مثل تلك الظروف القاسية انتزعت منهم"اعترافات عفوية متطابقة" شكل منها ملف الاتهام".

أشارت الصحافة الأجنبية إلى"حرية التعبير الواسعة" الممنوحة للدفاع. كان في ذلك شهادة تقدير لممارسات القضاء المغربي الديمقراطية. لكن حرية التعبير هذه استغلت من قبل المتهمين للكشف عن أساليب التعذيب التي تعرضوا لها. وحُكم على هذه الكشوفات بالذات من قبل السلطات بأنها موافقة لأصول التربية العالية. وهكذا ربح القصر، كعادته دائما، وعلى الصعيدين: شهادة أمام الرأي العام الخارجي بدعوى تتم بعدل وإنصاف، وعبرة للمعارضين في الداخل بما ينتظرهم من إجراءات مرعبة.

هذه اللعبة المضللة تحصر المعارضة المغربية في وجود انفصامي. سلوك إيمائي في واجهة النظام الديمقراطية، نشر مقالات نقدية قاسية في صحافتها عن عدم تعطيلها، إعطاء تصريحات طوعية للصحافة العالمية(يُحكم عليها غالبا بقسوة من قبل أصدقائها الأجانب، و بالدرجة الأولى من الفرنسيين الذين يرون الحرية الظاهرية التي تتمتع بها تلك المعارضة، فيجدونها في الحقيقة واجفة خجلى).

إنها تعرف أنها بالإمكان تعرضها في كل لحظة إلى الوقوع فيما يدق عن الوصف. رجال محترمون ذوو ماض عريق في الكفاح السياسي زمن الحماية، كانوا يستقبلون بكل تقدير خارج البلاد، اختفوا في عتمة ليل دار المقري، أو في فيلات" الدليمي، هدّدوا بأن يلقوا عذاب الشهداء، فدفعهم الخوف من الإذلال إلى الاعتراف بكل ما نسب إليهم لينتهوا من الآلام، ثم أُخرجوا من هذا الجحيم ليستمعوا إلى الحكم عليهم استنادا إلى "اعترافات" اقتلعت منهم،وليقرؤوا في الصحافة العالمية تقارير تشير، بمناسبة أحكام قضيتهم، وأن الحكم في المغرب إن لم يكن ديمقراطيا تماما، فلا يمكن، بأية حال، اعتباره دكتاتوريا مطلقا، وهكذا فإن المعذبين يتعرضون لجميع محاذير الديكتاتورية دون أن يُنعَمَ عليهم بالتقدير المعنوي الذي يُمنح عادة للمكافحين ضد الديكتاتورية.
وضع مهني حرج، عائلة يحطمها القلق، انكسار روحي لمن يضطر أن يتنازل عن كرامته أمام معذبيه، سنوات طويلة من السجن: إنها مهنة قاسية تلك التي يمارسها المعارض في المغرب.
أحيا عبد الرحيم بوعبيد، أحد قيادي الاتحاد الوطني للقوى الشعبية الدفاع. كان رائعا في جرأته، وقتاله وذكائه، فمنذ افتتاح المرافعات أعلن عن نيته في أن يطعن بأحد القضاة الثلاثة، ذاكراً بمكر يدعو إلى الإعجاب أنه لن يفصح عن أسمه"تلطفا" منه.

كان آية المؤذن، أحد المتهمين، وهو من أعضاء المقاومة سابقا، وقد حكم عليه بالإعدام زمن الحماية لقيامه بمحاولتي اعتداء على الجنرالين غيوم و هوتفيل، وإلقائه قنبلة على بن عرفة السلطان الدمية. والواقع أن رئيس المحكمة كان السكريتير الخاص لبن عرفة، مما عرضه في وقت ما للحرمان من الحقوق المدنية، وبما أنه كان قرب معلمه أثناء إلقاء القنبلة في جامع بريما في مراكش، ألا يخشى احتفاظه بحقد كامن ضد ملقي القنبلة الموجود أمامه في قفص الاتهام؟

رفضت المحكمة طلب الطعن، لكن الرئيس الذي لان بهذا الكره والفر أظهر تهذيبا متميزا تجاه المتهمين والمحامين المدافعين عنهم.
كان خلو ملف الاتهام فادحا. أثار المبلغ عن المؤامرة" الضحك، عندما ذكر وجود جيش سري مستتر مؤلف من مئة وخمسين ألف رجل، من جملة قادته المحامي بوعبيد نفسه. تألقت وثائق الإثبات التي "صادرتها" الشرطة من –بعض المسدسات وقنابل يدوية، وكوكتيل مولوتوف، وآلات نسخ- مما يشير على كل حال، إلى أن الجهات المعتمدة لم تلاحق المتهمين كلهم. متهم واحد اعترف بجرائمه، لكنه كان مختل العقل، وقد زعم اكتشاف هوية المتواطئين معه بفضل حجارة سحرية، بالمقابل، وبالرغم من جهود الدفاع، لم يتم التوصل لمعرفة سبب موتت مجاهد قاسم الذي قضي نحبه بين يدي الشرطة بعد إلقاء القبض عليه بوقت قليل، أما عشرات الشهادات، التي تفيد أن المتهمين قد تعرضوا للتعذيب، فقد استُبعدت من الدعوى بذريعة أن الخبرات الطبية قد أجيزت من قبل القضاء العسكري الذي صرح فيما بعد بعدم اختصاصه.

اعترف عدد من المتهمين بفخر أنهم زاروا سورية لتلقي التدريب العسكري، إنما بهدف الالتحاق بالمقاومة الفلسطينية. أما أحمد بن جلون مؤسس اللجان المناصرة للفلسطينين، فقد برهن الدفاع أنه أرسل شحنات من الأسلحة إلى احد المرافئ السورية وليس إلى مرفأ مغربي.
في العشر من تموز من العام 1971 تفجرت الضربة الصاعقة في الصخيرات.

يتبع...