بديل ـ الرباط

غدا الدليمي في الخمسين من العمر مدير مكتب مرافقي الملك، و المدير العام للأمن الوطني، و مدير المخابرات، و الجنرال الوحيد في الجيش، وقائده على الجبهة الصحراوية. المعذب السابق في دار المقري شق طريقه.

كبر في ظل أوفقير قبل أن يغدو جلاده. كان ينقصه كبرياؤه وشجاعته، ونوع من الشهامة في الجريمة تدفع إلى إمكان كرهه، ولكن ليس احتقاره. كان كلاهما من أحسن خبراء المملكة في مجال التعذيب، غير أن الدليمي كان يستمتع به. كان أوفقير يجسد تماما المحارب، ووجد في الدليمي الموظف الشديد الدقة. الأول ، يغذي أخبار المجتمع المخملي في الرباط بمجونه و غرامياته العاصفة مع زوجته فاطمة، والثاني يقضي حياة عائلية هادئة. لكن إن كان أوفقير لا يهتم أبدا بالمال، فإن الدليمي شديد الولع به، شهرته الاتجارية ثابتة؛ لم يردعه الملك عن حكمة بالسعي إلى الغنى بسرعة فائقة، وبكل الوسائل: فالرجل الذي يلاحق الذهب لا يهتم إلا نادرا بالسلطة.

حوافزه إذن مختلفة عن دوافع مدبوح و أوفقير اللذين سيأخذ دورهما في المسرحية، الشبيهة بروايات أغاثا كريستي، التي تمثل على المسرح الحسني، حيث قُدر للزنزج الصغار وكلهم "الخادم الوفي" الواحد تلو الآخر، أن يختفوا في النهاية: الإستجابة إلى شهوات السلطة دفعت أوفقير ومن قبله مدبوح إلى العزم على المغامرة، عندما غدا مشهد الفساد العام مقززا لا يحتمل. الاشمئزاز دفعهم إلى المؤامرة، أو إنه على كل حال برر نوايا طموح شخصي بارد. لا شيء من هذا عند الدليمي فهو غارق في اتجاريته مثل سمكة في الماء.

بالنسبة لضابط مستقيم، كان السلوك الملكي أكثر خزيا منه في زمن مذبوح أو أوفقير. فبينما الجنود على مدى أيام السنة "يلتهمون الرمال" كما كان يقال في الرباط، و بينما الشرطة تقتل بالمئات متظاهري ومضربي الثائرين على الجوع في شوارع الدار البيضاء، كان الحسن الثاني يبني قصوره ومقراته ومنتجاته العديدة، أو يوسعها أو يزخرفها. هوسه العقاري لا يعرف الحدود.

قصر فاس، الواسع بما فيه الكفاية، زاده اتساعا (قال ضاحكا لزواره الأجانب "ذلك للتخلص من رهاب الأماكن المُغلقة")، وكل مدينة كبيرة في المملكة: إفران، طنجة، أكادير، مراكش، الرباط، فاس، مكناس، الدار البيضاء، لها قصرها الملكي. في فاس جميع الصنابير في القصر الملكي من الذهب. و في قصر مراكش قاعة الحمام الملكي وحدها، رغم أنها خالية من الصنابير الذهبية، كلفت خمسمئة ألف درهم، أي ما يعادل راتب خمسمئة مدرس شهريا.

قصر بِتز في فرنسا جدد كليا، المزخرفون و الحرفيون تناوبوا فوق الأطلسي لينشؤوا وفق الطراز الأمريكي مبنى واسعا من طابق واحد. في أغادير تم انشاء القصر الملكي العاشر (من رخام و خشب الأرز منقوش بالزخارف) كانت كلفته النهائية ثلاثمئة و ستين مليون دولار. المعماريون يخططون لقصرين آخرين في الناضور و تافيلالت.

يُتبع...