بديل ـ الرباط

توقف سائق الشاحنة على مدخل الدار البيضاء، وأيقض الركاب الأربعة الذين ترأف بهم وأقلهم مجانا على ظهر شاحنته بعد أن أشاروا إليه مستعطفين. كانوا مستغرقين في نوم عميق وقد هدهم التعب. عائلة من البؤساء الرثي الثياب يصادف عشرات منهم كل يوم على طرقات المدينة. امرأة تقارب الأربعين، ورجل في الثلاثين، وفتاة وفتى في حوالي العشرين. كان النحول باديا على أجسادهم إلى درجة تثير الذعر، يرتدون أسمالا بالية، تيبست الأوساخ عليها، كانهم من أشرار أحياء الصفيح. بدا الفتى الأصغر سنا شبه معتوه: عيناه جاحضتان، ينظر إلى السيارات وهي تمر كأنه لم يشاهدها أبدا من قبل. يطلق ضحكة عصيبة، ثم يرتعش فجأة من الخوف. يرفون كلهم بأجفانهم مع أشعة أنوار الصباح الساطعة مثل طيور الليل التي يفاجئها الفجر. شكروا سائق الشاحنة ودخلوا المدينة.

مليكة أوفقير في الرابعة و الثلاثين من العمر تمسك بيدها سلسلة ساعة ذهبية نجحت أمها في أن تنتشلها من أعمال التفتيش التي تعرضوا لها منذ أكثر من خمسة عشر عاما. إنها زاد السفر الوحيد. صعدوا في سيارة أجرة توجهوا فيها إلى منزل عائلة صديقة لقاء السلسلة الذهبية.

وجدوا الأصدقاء قد باعوا المنزل و المالك الجديد لا يعرف عنوانهم.

تسكعوا في شوارع الدار البيضاء. كل شيء تغير خلال خمسة عشر عاما. اهتدت مليكة إلى طريق منزل المصرفي بن جلون، وكان ابنه العربي سابقا _ في ظروف حياة أخرى_ صديقها.

أمام هؤلاء الأشباح الخارجين من القبر، انتاب الذعر و الخوف عائلة بن جلون. مليكة متورمة من الوذمة، ووجهها مخدد بندبات متقيحة. فم رؤوف، وهو في التاسعة و العشرين من العمر، ليس إلا ثقبا أسود، حطم السجانون أسنانه، إذ انهالو عليه ضربا لأنه صورة حية عن أبيه. شوهته الكدمات. عنان وهي في الرابعة و العشرين، بدت هيكلا عظيما؛ عيناها السوداوان الواسعتان احتلتا كامل وجهها المعروق الشمعي، وهي تمشي بصعوبة. عبد اللطيف يبدو أكثرهم تماسكا بدنيا، لكن بدا بكل وضوح أنه مهتز نفسيا.

لم يتمكن المصرفي بن جلون، رغم غناه ووجاهته أن يتغلب على خوفه. حاولت مليكة عبثا أن تؤكد له إخلاء سبيل أربعتهم. فلم يفكر حتى بإجراء اتصال هاتفي للتأكد من صدق ادعائها. يجب ان يختفوا، وبأسرع ما يمكن، وفي الحال. قدم لمليكة ثلاثمئة درهم، ونصحها بأن تستقل القطار مع أخويها و أختها إلى الرباط.

في الرباط، هاتفوا جدهم العقيد شنا. كان السيد العجوز قد تزوج ثانية من فتاة لم تكمل دراستها الثانوية. أجاب بعدم استطاعته استقبالهم، ففهمت مليكة أن منزله تحت الرقابة.
مشوا حتى السوسي ليشاهدوا تلك الفيلا القديمة مرتع طفولتهم. كانت قد محيت عن سطح الأرض.

يُتبع...