بديل ـ الرباط

وقعت كريستين دور جوفن على محضر تحقيق تعترف فيه بأنها ساعدت سرفاتي وزروال. أعيد إليها لأنه "لا يوافق المقام الأعلى" فاسم زروال فائض فيه، اقترحت تعديلات عديدة فرفضت كلها للسبب نفسه.

في حزيران 1975، سُمح لها أن تخرج من منزلها،إنما حُجز جواز سفرها، فتوجهت إلى مفوضية الدرب لتسأل عن الأسباب. منعت من الدخول. كلمها المفوض يوسفي من خلف الشبك وقد عبر وجهه، الممتلئ بالندوب، عن دهشة عميقة: لا أحد يأتي من تلقاء ذاته إلى مفوضية الدرب، و خاصة من ناحية الفناء، و رفض أن يدلي إليها بأية معلومة.

بدأت عندئذ تحرر نصا تتصدى فيه لذكر زروال، عرفت الشرطة ذلك، فسألها المفوض عمري عن محتواه. كان من البديهي أنها ستشهد في القضية. و أن موضوع المختفي سيثار لأول مرة بعد الإستقلال، وجب على الشرطة أن تعترف بأن رجلا توفي في الحجز الإحتياطي، كان أمرا مكدرا للسلطة خاصة و هي تسعى للوحدة الوطنية بالنسبة لمشكلة الصحراء الغربية. و الكشف عن طمس قاتل سيعرض اللوحة للتلوث، لذلك تقرر تجميد الثأر من الجبهيين مؤقتا؛ و أوقفت سيرورة تقديم مناضليهم إلى قاضي التحقيق، بقي ابراهيم السرفاتي و أصدقاؤه الخمسة و العشرون محتجزين في مفوضية الدرب.

في أحد الأيام دعا عبد الرحيم برادة محامي الجبهيين كريستين لمقابلته، وقدم لها محضرا يفيد الإعتراف رسميا بموت عبد اللطيف، فبكى الإثنان معا.

اقتنعت السلطة بالإعتراف بموت المعذب، بالطبع أشار المحضر إلى أن الوفاة تعود إلى أسباب طبيعية. فقد شكا عبد اللطيف منذ توقيفه من آلام عنيفة في البطن، توقفت الشرطة عن التحقيق معه و استدعت طبيبا، فنُقل المريض إلى مشفى ابن سينا، و لم تُجد العناية التي بُذلت له في إنقاذ حياته.

غير أن كريستين راته في صحة تامة يوم توقيفه؛ كما تمت مواجهته مرتين مع أحد رفاقه، بينما ادعت الشرطة أنها لم تُجر التحقيق معه. أخيرا إذا كان عبد اللطيف قد توفي بشكل طبيعي فلماذا لم تُسلم جثته لعائلته؟

طُردت كريستين من المغرب.

تمت المسيرة الخضراء إلى الصحراء الغربية في تشرين الثاني 1975، و بعد شهرين، في 15 كانون الثاني 1976 وُضع ابراهيم السرفاتي و رفاقه الخمسة و العشرون مكبلين بالأصفاد، معصوبي الأعين في شاحنات صغيرة قادتهم إلى قصر العدل. فُكت قيودهم، و رُفعت العصائب عن أعينهم على السلم اللولبي المؤدي إلى مكتب قاضي التحقيق.
برؤية ابراهيم يدخل إلى مكتبه خارجا من جحيم إيقاف مؤقت دام أربعة عشر شهرا مترنحا على قدميه المشوهتين بالفلقة و معصماه مقرحتان بحمل الأصفاد المستمر، و أصابعه مشلولة بتناذر رينو، مما حال دون تمكنه من الكتابة خلال سنوات، استقبله قاضي التحقيق بهذه الكلمة السامية."حظك طيب في أننا موجودون ضمن بلاد ديموقراطية".

يتبع...