بديل ـ الرباط

عُلق ابراهيم مثلهم من رجليه و معصميه ووجهه إلى الأرض، وهو على قضيب بين عارضتين، مثلهم تصبب عرقا، و أحس بأن عموده الفقري يكاد يتحطم، إنه تعذيب الطائرة الذي يزهو بجدواه المُعذبون، المُعذب وهو يعاني ألما لا يطاق يحاول دون انقطاع أن ينهض وهو يشد على قبضتيه و عقبيه، لكنه يعود إلى وضعه غير المحتمل سريعا إلى أن يفقد وعيه.

بالتأكيد، تستخدم أيضا الفلقة التقليدية، فتوجه ضربات متلاحقة لأخمص القدمين و يُستخدم فيها سوط من كرتوش قاس مقوى بألياف نايلون و أسلاك من فولاذ، حسًن همياني التقنية بأن أمر بصب مياه مالحة على القدمين المخرشتين المقرحتين، بعد شهرين من ممارسة الفلقة غدت قدما ابراهيم قطعتين متورمتين مدماتين.

غير أن التعذيب هو أكثر من آلام جسدية، ففي نص كتبه ابراهيم السرفاتي بعد عشر سنوات، وهو يفطر القلب حزنا على مدى المعاناة النفسية من ذكريات التعذيب و قسوته، يتطرق إلى السبب في عدم تعرضه لهذا الموضوع قبل ذلك الوقت: عندما نعاني من لمدة طويلة و بشدة حتى ليتغلغل في جسمك وكيانك، (فالتكلم عنه) بمثابة تحريض يقزز النفس، مادام الشعور به قائما، و هذا يستمر سنوات، من المستحيل أن ترغب به مواجهة، بل بالعكس إنك تفعل كل شيء لنسيان تلك الساعات القذرة، لتلقى مجددا الوجه الإنساني بعد أشهر و أشهر من الإذلال الجسدي، حتى لا يرتعش القلب عند كل نأمة تذكر بذلك الصوت الفظ الدي يدوم في الأذن، حتى في أعماق خدري: "نهوض" – و أنا أعلم أن ذلك يعني حلول موعد التعذيب.

لحسن الحظ، أحدث له التعذيب الذي كابده في كانون الثاني 1972، عقابيل قلبية بحيث يغمى عليه سريعا، فبعد جلسة تعذيب شديدة القسوة في 18 تشرين الثاني، عُرض للبرد مدة طويلة، وهو دون حراك. حدث له تسرع في نبضات القلب، أفاد أساتذة الطب في مشفى ابن سينا، الذي نُقل إليه في اليوم التالي، أن السبب يعود إلى الجهاز المقوي للاعصاب، استُبدل بالعنف الحرمان من النوم. في نهاية كانون الأول وصل إلى حافة الجنون، غير أن اكتشاف الشرطة عقب اعتراف أحد العضاء، نتيجة التعذيب على مخبأ يحوي وثائق جمعية "إلى الأمام" و خاصة ضبوط اجتماعات أمانة السر الصريحة، خفف الضغط: لم يعد همياني يطلب إلا تأكيد ما يعرفه سابقا.

أوقف و في جيبه مجموعة مفاتيح عديدة. أراد المفوض أن يعرف الأقفال العائدة إليها، و كأنها تتعلق بأمكنة سرية، غير أن ابراهيم لم يتكلم.

يتبع..