بديل ـ الرباط

قال الحسن الثاني يوما:"منتهى السعادة بالنسبة لي، هي أن أتمكن كل صباح من النظر في المرآة، عندما أحلق ذقني، ولا أصل إلى صباح أصف فيه نفسي بالخسة أو أقول لوجهي "أيها القذر" هي ذي منتهى السعادة".

عندما أدلى بهذا الإعتراف، كان المحتجزون في تزمامارت يتعذبون منذ ستة عشر عاما.

ربما لم يخطروا على باله في الصباح، أمام مرآته، لكن في المساء، خلال هذه الساعات من الإنشراح التي يؤثرها، و تمتد في قلب الليل، في تبذير قصوره المترف، وهو محاط بمهرجيه، هل ترد في خاطره صورة تزمامارت لتضع في متعته أفاوية التباين المطلق العذبة؟ هل يزيد التفكير بالأموات- الأحياء تمتعه لذة؟

أو هو بكل بساطة نهج حكومة، ممارسة مدروسة للإرهاب؟ فشرطته لا تجهل أن رسائل تسربت من المعتقل. المغرب بكامله يعرف بوجود تزمامارت، مع هذا لاشيء تغير من النظام المطبق على المعذبين. هذا معروف أيضا. هذه الغطرسة بالجريمة ذات هدف تربوي. على كل مغربي أن يعلم أن من المحتمل أن يساهم في قضية خطرة دون انتباه، مثل ذلك الميكانيكي الذي ملأ خزان الطائرة المقاتلة بالوقود وهو يفكر بغرامياته، ولن يكتفي عندها بمحاكمته أمام قضاة اشتهر عنهم القسوة و الحكم عليه ليهرب من تعذيب لا يوصف. الخوف اللامعقول الناتج يؤدي إلى خضوع مطلق مثل السلطة المطلقة. الجبهويون الذين انطلقوا وهم ينشدون تعرضوا لحكم خمسة عشر أو عشرين عام سجن لأنهم وزعوا مناشير. عندما سيعلمون مصير الأموات- الأحياء، شيء ما سيتحطم في نفوسهم: لن يحسوا بقوة على مجابهته. شمس تزمامارت السوداء لا يمكن أن يُنظر إليها مواجهة.

بوخنفالد، موتهاوزن، شاشنهاوزن، ومعتقلات أخرى للمُغيبين المنقطعي الأخبار لم تدم مثل هذه المدة الطويلة.

في اليوم الذي كتبت فيه هذه الأسطر، يمكن أن نؤكد بقناعة شبه كاملة أن المكان الأكثر قسوة على سطح كوكبنا (كان النازيون يقولون"قعر العالم") ذلك المكان الذي يُعامِل في الإنسان أسوأ معاملة لأخيه الإنسان يقع على بعد ساعة بالطائرة من مدريد، وعلى بعد ساعتين من باريس؛ غير بعيد عن طريق تجري عليه حافلات السياح المندهشين من جمال المناظر.
ماذا نقول أكثر من ذلك؟ أية كلمات تُكدس عند قاعدة هذا النصب من الإرهاب؟

الكلمات الوحيدة التي يمكن قبولها هي كلماتهم.

تشرد العين أمام رسائل مكتوبة بيد مرتعشة ممتلئة من الحافة إلى الحافة، لأن هناك أشياء كثيرة يجب قولها، والورق ليس كافيا لتسطيرها، وهنا أو هناك تتسمر عبارة:

"ثلاثة أرباع السجناء يسيرون على أربع قوائم بين جدران زنزاناتهم".

"غدونا بين الحيوان و الإنسان، أكثر قليلا من الجرذان، و أقل من البشر".

"موت رهيب نتجرعه قطرة قطرة. منذ دخولنا في ثقب أسود. لم نخرج في يوم إلى الشمس".

"من بقي على قيد الحياة يقارب الجنون".

يُتبع...