بديل ــ الرباط

في 15 أيلول، خرج 28 معتقلا باقون على قيد الحياة من زنزانات تزمامارت لأول مرة، بعد 18 عاما. إنه ليل قاتم ولا توجد نقالات كافية لحمل من لا يستطيعون الوقوف. فأمسك الحراس البقية. وأرجلهم تزحف على الأرض، حتى الشاحنات الممتوقفة أممام باب الفناء. نقلوا إلى مركز استراحة. وفي اليوم التالي بهرتهم أشعة الشمس لأول مرة منذ ثمانية عشر عاما، عني بهم، ولقموا غذاء مناسبا مدة شهر إلى أن غدا مظهرهم مقبولا، وسلموا إلى عائلاتهم باستثناء جهاني عاشور ومحمد الريس اللذين أودعا سجن القنيطرة.

أخيرا في 30 كانون الأول، وجد الأخوة بورقات الثلاثة، بدورهم، حريتهم، تبين وجودهم بين أحياء تزمامارت المنقولين منذ 15 أيلول. اعتقلوا منذ عشرة أعوام وواحد منهم تمكن من السير على قدميه، وحثمل الإثنان الباقيان على نقالتين. أعلن القصر أنهم حصلوا على عفو ملكي. في بلاد القانون، يثطبق العفو على مدانين بأحكام قضائية. الأخوة بورقات لم يُدانوا، بل لم يثحاكموا اصلا. حتى الآن لا يثعرف الجرم الذي ينسب إليهم. غابوا عن الوجود الحي منذ ثمانية عشر عاما لنزوة فقط من الحسن الثاني.

هذه الحريات التي قنط كثيرون من الحصول عليها، كانت نتيجة جهود متواصلة قامت بها منذ سنوات طويلة منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان، وخاصة المنظمات المغربية المناضلة في فرنسا ولجان الكفاح ضد القمع في المغرب. إنها تتوج الجهاد الذي قامت به كريستين دور ــ جوفن بكل حماس من أجل معتقلي تزمامارت الذين يدينون لها تماما بحياتهم. كما أنها تدين كثيرا لمساعي المحاميين دانييل سوليز لايفيير وسيمون فورمان لدى المؤسسات الدولية. كما أنها أيضا نتيجة تعبئة استثنائية للرأي العام. إنها تبرهم مرة اخرى، إن دعت الحاجة، أن ليس ثمة أسوار مهما علت ومهما سمُكت إلا وستتنتهي إلى الإنهيار أمام الضربات الصلبة المتواصلة. بفضل جهود الجميع، أنقذت حيوات مغربية، ووجد تعساء محكومون بالموت في أعماق زنزاناتهم، الحرية.

كان هدف هذا الكتاب أن يُعلم. إن كان قد نجح إلى مدى أوسع كثيرا مما لم يأمل به أي منا ، فذلك لأن الرأي العام كان ينتظر، عن عمد أو دونه، مثل هذا المؤلف. عديدون هم الفرنسيون الذين يذهبون لقضاء إجازاتهم الصيفية في المغرب. وقد وجدوا في هذه الصفحات تفسيرا لكثير من الصمت، والإعترافات الممتوقفة عند مرأى شرطي، وهذا التوتر الذي يتعذر العدم الإحساس به في مملكة الحسن الثاني. كثيرون استغربوا المراعاة التي ما يزال يتمتع بها هذا النظام من قِبل الحكومة الفرنسية اليقضة إلى الإحتجاج على انتهاكات حقوق الإنسان عندما يرتكبها غير زبنائها. أولئك الذين يصنفون يساريين، خاب أملهم أخيرا عندما لاحظوا أن أحداث العاشر من أيار لم تؤثر كثيرا على التناسق السعيد بين باريس و الرباط: كل شيء استمر كعادته من قبل.

يُتبع...