بديل ـ الرباط

خلال ستة عشر عاما لم يزر تزمامارت طبيب أو ممرض، ولم يُعط أي دواء للسجناء المرضى. كلهم شبان في قمة اللياقة البدنية، سابقا، غير أن السجن حطم أجسامهم.

كتب سجين آخر:"صحتي متزعزعة. فقدت أسناني، معدتي التهبت، أتبول أكثر من اثنتي عشرة مرة في اليوم، و الأكزيما تقرض جسمي بكامله. كن مطمئنا، أنا لا أخشى الموت مطلقا. ما أطلبه، هو أن يأتي مترفقا وفقا لضوابط الإسلام".

كتب آخر أيضا:"تصور مومياءات متحركة بوزن خمسة و أربعين كيلوغراما، الوجه موحش بشعر طويل و لحية نجزها بطرف قطعة من توتياء مسنونة، أما الأظافر فنقرضها كيفما اتفق بأسناننا، بالنسبة لمن أسعدهم الحظ ببقائها. غدا ثلاثة أرباع فرسان العذاب التعساء نصف مجانين، برأس أجرد حل به الصلع في الثلاثين من العمر".

ما لبث الموت أن غزا زنزاناتهم. كتب عبد اللطيف بلكبير"أعلمنا رفيق يمتلك صحة ممتازة أنه يرعف بغزارة من أنفه؛ فيما بعد ذكر لنا أن ساقيه لم تعودا تحملانه. تُرك لشأنه، لم يستطع الحضور إلى الباب لتناول غذائه، وقضى حاجته في أسماله. اكتفى السجانون بفتح و إغلاق الباب دون أن يهتموا إن أكل أو لم يأكل.

اكتفوا بإعلامنا في كل يوم عن وضعه. كانت معنوياته جيدة. بدأ الشلل جزئيا و غدا تاما. هذيان الرفيق جهلنا نقضي معه ليالي في كوابيس. بما أنه لم يعد يتكلم أبدا، كان الحراس يأتون فيلفونه في غطائيه و يخرجونه، ثم يعودون به بعد دقائق، و يضعونه على أرض الزنزانة الباردة، و يقولون بلهجة منافقة:"أجرينا له حقنة". في اليوم التالي أسلم الرفيق الروح. حضروا و كمامات على أنوفهم (بسبب الرائحة)، أخرجوه بأسماله و دفنوه دون أي طقوس دينية في فناء السجن".

كان العشب ينمو في الفناء، لأن السجناء لا حق لهم في السير فيه، مما دفع مدير السجن وهو رجل فطن إلى تربية قطيع صغير من الماعز والخراف لترعى فيه. حفرة عامة في أحد أطرافه تستقبل الموتى، يدفنون فيها دون القيام بالشعائر الإسلامية. كان هذا بالنسبة للسجناء، و جمعيعهم شديدو الإيمان، منتهى الهول، كانت الرسائل متفقة في التعبير عن ذلك. إنهم راضون بالموت، لكنهم يتمنون أن "يأتي متلطفا وفق شعائر الإسلام"، مُنع عنهم حتى هذا. كتب أحدهم:" يُسمع احتضار المريض خلال يوم أو يومين إلى أن تنطفئ منه نسسمة الحياة، عندها يأنتون، يلفونه بغطاء قذر. تسمع ضربات المعاول و الرفوش، و تنتهي العملية". كتب آخر:"دون غسل ولا كفن في بلاد إسلامية، أعتقد أن ما من سجين تعرض للعذاب و الإضطهاد و الآلام التي عانيناها من أيام رمسيس الثاني". التطرق إلى عهد رمسيس الثاني يبدو شاذا، غير أنه أتى في الموقع المناسب: سلطة فرعون تُمارس حتى في أيامنا هذه.

سجين آخر توفي بعد نزيف شرجي متواصل.

يُتبع...