بديل ـ الرباط

بيتون الزنزانات يردد صدى أقل ضجيج بدلا من أن يخمده كما يفعل الحجر. تنافر الأصوات يصم الآذان. مناجاة المساجين لأنفسهم وهم يحاولون الهرب من الصمت، حوارات تتم بالصياح لتتمكن من اختراق الجدران، ترتيل آيات قرآنية بصوت عال يرددها بين خلية و أخرى معظم المساجين، حفظة السور القرآنية عن ظهر قلب، هذيان رفيق يكاد يرنحه الجنون. استغاثات المحتضرين و المرضى. المعتقلون مجموعون على القول إن الضجيج هو المعاناة الأشد إيلاما. البرد مصدر عذاب آخر، خاصة، و أن العسكريين الذين اعتقلوا في القنيطرة في تموز 1971 أو آب 1972 اعتقلوا وهم يرتدون الثياب الصيفية، وبها يجب أن يجابهوا شتاء الجبال القاسي.

يبقى الغذاء بسيطا. يوزع في الصباح كأس قهوة بارد ونصف رغيف من الخبز للنهار بأكمله، عند الظهر صحن حساء من ماء صاف يسبح فيه بعض بقل، و مساء طاس معجنات. "توزيع علبتي سردين و بيضة مسلوقة، بعد بضع سنوات، عُد حدثا كبيرا".

أعلن المساجين، بعد أن طرحهم النظام القاسي الذي يخضعون له، الإضراب عن الطعام. توقفوا عنه بعد ثمانية أيام دون أن يحظوا بزيارة أي مسؤول عن السجون، سُر السجانون لإراحتهم من إعداد الحساء وتوزيعه ( توزيع الجراية على كل شخص لا يستغرق عشر ثوان). مرض أحد السجناء، فرد السجانون بلا مبالاة: "لٍيمت". في تموز 1974 أنهى اثنان من العسكريين مدة محكوميتهم. أبدى أحدهم دهشته لعدم إخلاء سبيله. فأجابه الحارس:"ما هي مدة حكمك؟ _ثلاث سنوات_ هنا يجب ألا يثقال ثلاث سنوات، بل يقال مدى العمر".

فهموا أن المعتقل سيكون قبرا لهم.

كتب النقيب بلكبير:" إن حياة السجين غدت صراعا لا يتوقف ضد البرد، فالشتاء جليدي، و الثلج يتساقط في تزمامارت. يستيقظ السجين وسط الليل وهو يرتعش، فينصرف إلى رقص مجنون ليدفأ، كما أن صرير الصفيح وهو يتقلص يعطي لتلك اليقظة طابعا شيطانيا. في الصيف درجة الحر ملتهبة، و الزنزانات تثير شعورا بالإختناق. يضطر السجين لإللصاق أنفه على خصاص الباب ليستنشق بعض الهواء البارد، و عندما ينهكه الحر، و يغدو صدره كالنار، يهرع إلى سريره البيتوني يبحث عن بعض الراحة، فتهاجمه من جميع الأرجاء الحشرات الطفيلية (البق، البراغيث، و البعوض و الخنافس، و الرتيلاء، الخ...) العقارب تندس بمكر تحت الغطاء.

طيف هذا الحيوان الكريه يمنعنا من القيام بأية حركة طائشة: فقد لُذغ عدة سجناء. يثقل الضجر معنويا وجسديا السجين. وليكسر هذه الرتابة القاتلة يضطر للمشي متلمسا، لكن المسافة قصيرة. كل محادثة شبه مستحيلة، فوضع الزنزانات يحول دون ذلك و ضجيج الأصوات الأخرى يحول المبنى إلى معرض حقيقي. الملجأ الوحيد المتبقي هو الصلاة و السسجود. القرآن كان سندا كبيرا لنا طوال مدة سجننا (العديدون منا حفظوه عن ظهر قلب، شفهيا بالطبع). يبدو السجين وقد غدت ثيابه أسمالا بالية، وهو حافي القدمين، وشعره و لحيته لم يريا الحلاق منذ عدة سنوات، بالمنظر المريب غريب غير المطمئن لشريد أصيل.وأمطار الخريف حولت معظم الزنزانات إلى غياض ثم إلى مستنقع".

يتبع...