بديل ـ الرباط

من خالجته رغبة في أن يرمي بحجر هؤلاء الفتيان المساكين الذين تعرضوا من أجل مخالفة رأي بسيطة لسجن يُخص به في أمكنة أخرى المجرمون العتاة، وجب عليه أن يقرأ مسبقا، من بين ثناءات وأطناب مديح، كم ذات الخميرة، الأسطر التي كتبها بمناسبة عيد ميلاد الحسن الستين، موريس دريون، الوزير الفرنسي السابق، و السكرتير العام الدائم للأكاديمية الفرنسية، عضو الأكاديمية الملكية في المغرب، الذي لا تدفعه بالتأكيد ذات أسباب سجناء القنيطرة ليتمرغ في خسة متملقة:"الحسن الثاني، مثل شعبه، وُهب المعرفة، و المروءة و الحِلمز إنه مؤرخ وقانوني، وهما ميزتان ضروريتان لرئيس دولة. لكنه أيضا مهندس معماري، و خبير زراعي، وطبيب، ومنظم مدني، وموسيقي، و استراتيجي حربي. أريد أن أقول إن لديه معرفة كافية، و أحيانا متقدمة جدا بجميع الإختصاصات التي يستلزمها توازن بلاد وتقدمها. سليل النبي هذا، يتثقف وفقا لتقاليد متواترة، بالسماع والقراءة، و العلماء الذين يجتذبهم، و يحبون التداول معه يُدهشون غالبا لسرعة ترابط أفكاره. مثقف كما المرابطين، و مشيد مثل الموحدين، جسور مثل المرينيين، و عظيم مثل السعديين؛ يتقلد سليل الأسرة العلوية هذا كل ماضي بلاده، و يبدو وكأنه يجمع كل قسمات السلالات الحاكمة التي سبقت سلالته وتركت له ذكراها".

رسالة الولاء الموجهة من قِبل الثمانية المتنكرين لمبادئهم لم تكن معدية. سجين في القنيطرة، طالب في الخامسة و العشرين من العمر، عند اعتقاله، حُكم عليه بالسجن عشرين عاما؛ كتب إلى صديق فرنسي:"ما أنا متأكد منه في وضعي، هو أنني لن أعترف بالإخفاق. عناد؟ صلب بين المتصلبين؟ ليست هده هي القضية. لست شيوعيا، و لست العضو الملتزم الذي يمكن تصوره. تخليت عن كل هذا قبل سجني، مما يمكن أن يبدو لبعضهم مثيرا للفضول وغير معقول لكنني متمسك بقيم لا أتمكن من التخلي عنها، وباق على حماسي لأهداف تتعدى الإيديولوجيات. لا أتمكن من نقض مرحلة من حياتي، رغم جانبها المثالي يل الطائش لأنها تشكل قسما من ذاتي، من كياني. أهو شَطط شاب لا يدري ماذا يفعل؟ لن أقول هذا مطلقا. مع احتمال قضائي العشرين عاما التي حُكمت بها لأنني سأنكر نفسي و سأعيش محطما بقية حياتي. لا أتمكن أن أفعل هذا، على الأقل بسبب ما عانيت من آلام على مدى هذه السنوات الطوال من الأسر لأن الماكينة أرادت أن تسحقنا، أن تسبب لنا الجنون، وهذا ما لا أتمكن من مسامحتها عليه. الحرية ليست صدقة، إنها حق لا يُنقض؛ من أجل استعادتها لا اسقط قناعاتي. قناعات رجل حر يحب الحرية و الحياة في التباين".

مع ذلك إن وجب إلقاء حجر على المتنكرين لمبادئهم، فلن يُلتقط هذا الحجر من فناء السجن:"لايمكنني أن أوجه أي لوم لرفاقي في السجن فعلوا هذا لينقذوا أنفسهم. إنها قضيتهم، و أفكارهم، بعد أن عانوا ما عانوه خلال اثني عشر عاما . إذا كنت لا ألومهم على مبادرتهم، فماذا يمكنني أن أقول عن أولئك الذين لم يذوقوا الآلام أو عذاب السجن، أولئك الذين يرتعدون في الرفاهية وهم يمارسون حياتهم الحمقاء، ويعجزون عن تحمل جزء من مئة مما تحمله هؤلاء الأشخاص المساكين؟...".

طمأنت الدماثة الملكية المساجين الثمانية الذين عفت عنهم و أزالت المخاوف التي عبروا عنها في رسالتهم المتعلقة بحظوظهم في "العثور على حياة اجتماعية لائقة"، و انتقل بعض منهم مباشرة من سجن القنيطرة إلى وزير الداخلية، و عُهد إليهم بوظائف هامة في دوائر الشرطة.

يُتبع...