بديل ـ الرباط

أعاد كتاب "الأمير المنبوذ" لصاحبه الأمير هشام، ذاكرة بعض المغاربة إلى كتاب آخر، هز عرش الحسن الثاني، بالقدر الذي لم تهزه كل الانقلابات التي شهدها عهده، حتى إن بعض المتتبعين اليوم يتساءلون: كيف سيتعامل محمد السادس مع كتاب "الأمير المنبوذ"؟

"صديقنا الملك" لصاحبه الصحفي الفرنسي جيل بيرو، كتاب قهر الحسن الثاني، لدرجة دفعته إلى إدانته مباشرة على التلفزة المغربية، وهو الذي لم يقهره لا جبروت عسكر ولا مناورات اشتراكيين ولا تقية إسلاميين، حتى قضى فوق كرسي العرش زهاء أربعين سنة من الحكم، لم تخل سنة واحدة منها من العواصف الاجتماعية والسياسية والعسكرية.

وإذ يعيد "بديل" نشر الكتاب على شكل حلقات مساء كل يوم فليس معنى هذا أنه يتبنى ما ورد فيه، وإنما غايته إطلاع زوراه، ممن فاتهم قراءة الكتاب، على الحديقة السرية لواحد من أكثر الملوك العلويين إثارة للجدل على طول تاريخ حكم هذه العائلة للمغرب.

يصعب وصف ما كان ينتظرهما في الريف بالمرّة، غير أن الرجلين استمتعا بأوقاتهما وخاصة الليلية. كان مولاي الحسن في التاسعة والعشرين، وأفقير يقارب الأربعين، كلاهما يتميزان بالجرأة، غير أن الأصغر سنا لم تكن قد تهيئت له الفرصة لتقديم البرهان، لكن حتى في دار المندوبية بين أولئك الذين يسخرون من تهيب السلطان ووجله الطبيعي، يعترفون أن ابنه البكر من معدن أخر. كان أفقير والحسن ينظران إلى الحياة ببرودة قلب حقيقية. 
يحبان الكحول والفتيات ويستهلكان منها الكثير. كان لصداقتهما روائح ثقيلة من معاقرة الكأس والطاس وأسرة الفسق والتهتك لكن أهي صداقة أم تواطؤ؟سيتم التحقق مستقبلا. السلطان لم يتعد مرحلة الشباب كان في السابعة والأربعين، في عام 1956، والحسن الثاني ليس ضامنا للملك، أو أنه لن ينتهي إليه إلا متأخرا والأحداث تشير إلى مستقبل غير مطمئن، غير أن بإمكانه أن يحكم في ظل والده، وهذا ما هدف إليه، وقد أهل له، فمنذ العام 1944 وكان في الرابعة عشر من عمره حضر المقابلتين اللتين جرتا مع روزفيلت. أراد محمد بن يوسف وهو يعرف حدود قدرته، لابنه البكر تربية تفتح أمامه أبواب هذا العالم الحديث الذي لا يفهم هو عنه إلا القليل. حاز مولاي الحسن على الإجازة في الحقوق ودبلوم الدراسات العليا في الحقوق المدنية من جامعة بوردو. تبع والده إلى المنفى، وبينما كان السلطان المخلوع يغرق في التشاؤم، كان الحسن يؤكد أن الجولة لم تنته، وقد شارك في جميع المحادثات التي جرت مع فرنسا واسبانيا. كان مذعنا لوالده الذي يكن له احتراما كبيرا، لكنه وقد فقد الصبر يريد التصرف وإثبات الوجود.

إنه يجهل نبوءة ذلك الموظف الفرنسي الكبير، الذي قال عندما رأى أفقير يشق طريقا غير متوقع لكسب ود العائلة المالكة:"هوّذا واحد سيهزم سلطانا".

ووفقا لتقاليد الأسرة العلوية الحاكمة وُضع الأمير مولاي الحسن على رأس القوى المسلحة، وتحت إشراف أفقير المدرب العسكري المجرب ذهب يجري دورات تأهيله على رئاسة الأركان في قمم جبال الريف.
كان القصاص قاسيا لا رحمة فيه (حتى اليخت الملكي صودر واستخدم في العملية). وتوزع المقاتلون على ثلاث فرق تغلغلت في الجبال.

اشترك الطيران في الحملة بقيادة ربابنة فرنسيين، وبدأت تدك القرى بوابل قنابلها. كان أفقير على رأس الفرقة الرئيسية، والحسن يتابع العمليات بحوامة حطت به بعد القضاء على المتمردين ليعلن من بقي منهم على قيد الحياة خضوعه واستسلامه. اغتنى سجل أفقير الأسود ببعض الطرف. ففي أحد الأيام قدمت مجموعة أسرى ليركعوا خاضعين أمام الأمير الحسن، وبعد أن منحهم العفو نهضوا مبتعدين؛ غير أن قنبلة تفجرت بينهم ومزقت أجسامهم؛ زلق أوفقر، المزاح، قنبلة منزوعة الصمام في غطاء رأس جلباب أحدهم. وفي حادث آخر أطلق ريفي النار على الحسن فأخطأه وألقي القبض على الجاني، حضر أوفقير وذبحه، ورفع جثته أمام قدمي الأمير قائلا: إنني أقدمه لك يا مولاي" إنها حكايات لم يتحقق من صحتها؟ بالتأكيد. لكن لا دخان بلا نار، وقد ثبت أن أوفقير، عندما كان يعمل لحساب فرنسا ـ وأيضا في وادي زيم، خلال شهر آب 1955 ـ كان يحب اللجوء إلى تنفيذ حكم الإعدام وجاهيا بهذه الطريقة المذهلة التي يفضل استخدام الخنجر فيها.

بقيت نتيجة القمع الإجمالية مجهولة، غير أن عدد الضحايا، ومعظمهم من المدنيين، الذين قتلوا نتيجة القذف الجوي، قدر بآلاف القتلى والجرحى.
في نهاية هذه الحملة التي قادها أوفقير بهمة ونشاط ضد مواطنيه، رقي إلى رتبة عقيد.
في 15 آب 1957 توج محمد بن يوسف ملكا على المغرب باسم محمد الخامس.