بديل ـ الرباط

أعاد كتاب "الأمير المنبوذ" لصاحبه الأمير هشام، ذاكرة بعض المغاربة إلى كتاب آخر، هز عرش الحسن الثاني، بالقدر الذي لم تهزه كل الانقلابات التي شهدها عهده، حتى إن بعض المتتبعين اليوم يتساءلون: كيف سيتعامل محمد السادس مع كتاب "الأمير المنبوذ"؟

"صديقنا الملك" لصاحبه الصحفي الفرنسي جيل بيرو، كتاب قهر الحسن الثاني، لدرجة دفعته إلى إدانته مباشرة على التلفزة المغربية، وهو الذي لم يقهره لا جبروت عسكر ولا مناورات اشتراكيين ولا تقية إسلاميين، حتى قضى فوق كرسي العرش زهاء أربعين سنة من الحكم، لم تخل سنة واحدة منها من العواصف الاجتماعية والسياسية والعسكرية.

وإذ يعيد "بديل" نشر الكتاب على شكل حلقات مساء كل يوم فليس معنى هذا أنه يتبنى ما ورد فيه، وإنما غايته إطلاع زوراه، ممن فاتهم قراءة الكتاب، على الحديقة السرية لواحد من أكثر الملوك العلويين إثارة للجدل على طول تاريخ حكم هذه العائلة للمغرب.

(الحلقة  الرابعة عشر)

الباشوات والقواد حصلوا على العفو واستعاد السلطان دعمهم ومساندتهم له، أما الحكومة التي تشكلت بعد عودته فقد ترأسها بقاعي( ضابط سابق في الجيش الفرنسي، مُقعد حرب، وهو أحد الباشوات الأربعة الذين اعترضوا على خلع السلطان) ولم يحظ حزب "الاستقلال" فيها إلا بالمركز الثالث أمام أغلبية من الوزراء المستقلين، وستة وزراء من حزب الاستقلال الديمقراطي. فبالرغم من أن الحزب الأخير لا يتمتع إلا بشعبية ثانوية مقارنة مع شريكه، وبالرغم من أن في إدارته بعض المؤيدين لإقامة نظام جمهوري، فقد رأى السلطان أن من الأفضل إشراكه في الوزارة بدلا من أن يبقى منفردا مع حزب الاستقلال.

فيما بعد وفي العام 1958 تشكلت حكومة من حزب الاستقلال بمفرده، بعد أن قبل بأن يتحفظ السلطان، المتمكن في سلطته، بتسمية الوزيرين الرئيسين لتسلم وزارتي الدفاع والداخلية.
هكذا فإن حكومة يشكلها الجناح اليساري في حزب الاستقلال يُنتظر منها أن تمارس القمع على حركة ريفية أنشئت في الأساس من قبل القصر للتحريض ضده.

كان الهدف الكبير للقصر إيجاد حزب ريفي يخدع حزب الاستقلال، فالساحة ملائمة، والمنطقة الريفية تنظر بحذر وارتياب إلى حزب ولد وترعرع ضمن الطبقة البورجوازية المدنية، خصمها التقليدي، إنه حزب سكان فاس، المحسودين على ثروتهم، المكروهين لعجرفتهم، المؤيدين على الدوام للمخزن.

كان حزب الاستقلال يثير الغيظ لغطرسته، وطموحه إلى احتكار الوطنية، وتذكيره الدائم بمزاياه واستحقاقاته الباهرة، فإرادته في السيطرة واضحة جلية، إنه يفتتح مكاتب في كل مكان، وينشر دعاية واسعة، ولا يتردد أتباعه إزالة منافسيهم في اختيار أي وسيلة. وكان رد فعل المناطق السائبة الفائتة في مواجهته مماثلا لمواجهتها للمخزن.
أنشئت الحركة الشعبية من قبل محجوبي أحرضان والدكتور الخطيب الزعيم التاريخي للمقاومة. كان شعارها:"نحن لم نحارب من أجل الاستقلال لنفقد حريتنا".

وبتحريض من القصر أغلقت بعض مكاتب حزب الاستقلال، وتعرض عدد من ممثليه للمضايقات.

أثار حادث غير متوقع المناطق الريفية نتيجة أحداث شغب قام بها مثيرو الفثن، فقد قتل أنصار حزب الاستقلال عباس المسعدي المجاهد العريق، ودُفن في فاس. غير أن أصدقاءه أرادوا نقل جثمانه في بلده، أجدير، المعقل الجبلي للمقاومة. فرفض موظفو الاستقلال إعطاء الإذن . في 2 تشرين الأول 1958، وبمناسبة الذكرى الثالثة للفتنة ولمقتله، عمل الدكتور الخطيب و أحرضان على نقل رفاته، وأقيم له مأتم حضره آلاف الأشخاص الذين أشادوا بمقتل الشهيد الذي سقط تحت ضربات حزب الاستقلال. فتحول الاحتفال إلى تظاهرة صاخبة أطلقت الشرطة عليها النار. مرة أخرى تمرد الريف وثار.

في التاسع من كانون الثاني من عام 1958، وصل الأمير مولاي الحسن ولي العهد إلى تطوان برقفة المقدم أفقير.

في تلك الرحلة أطلق الحسن على أفقير النعت الذي أشهره فيما بعد فاليري جيسكار دستان، رئيس الجمهورية الفرنسية" رفيقي الأثير"بعد ذلك بزمن طويل، وخلال مقابلة صحفية غدت شهيرة، صرح الحسن الثاني عند قتله لرفيقة الأثير:"عرفت ثلاثة وجوه لأفقير، الأول عندما كنت وليا للعهد، وكان هو مرافقاعسكريا شابا لوالدي محمد الخامس، ضابطا سعيدا مضاعف الحظ: سعيدا لأنه نجا من معارك عديدة خاضها دون أن تزهق روحه، وسعيدا لأنه اختير من بين ضباط مغاربة عديدين، مرافقا لوالدي، منذ عدة أيام طرحت على نفسي السؤال:يقال إن دار المندوبية قدمت إلينا أفقير على طبق مهيأ مُعد. ففي 16 تشرين الثاني 1955، يوم عودة والدي إلى الرباط، وُجد إلى جانبه، في سيارة الدلاهاي السوداء. ولم أتساءل إلا منذ ثلاث أيام لماذا قدم إلينا منذ البداية. غير أننا قضينا فيما بعد، هو الضابط الشاب، وأنا الأعزب فترات ممتعة".