بديل ـ الرباط

أعاد كتاب "الأمير المنبوذ" لصاحبه الأمير هشام، ذاكرة بعض المغاربة إلى كتاب آخر، هز عرش الحسن الثاني، بالقدر الذي لم تهزه كل الانقلابات التي شهدها عهده، حتى إن بعض المتتبعين اليوم يتساءلون: كيف سيتعامل محمد السادس مع كتاب "الأمير المنبوذ"؟
"صديقنا الملك" لصاحبه الصحفي الفرنسي جيل بيرو، كتاب قهر الحسن الثاني، لدرجة دفعته إلى إدانته مباشرة على التلفزة المغربية، وهو الذي لم يقهره لا جبروت عسكر ولا مناورات اشتراكيين ولا تقية إسلاميين، حتى قضى فوق كرسي العرش زهاء أربعين سنة من الحكم، لم تخل سنة واحدة منها من العواصف الاجتماعية والسياسية والعسكرية.
وإذ يعيد "بديل" نشر الكتاب على شكل حلقات مساء كل يوم فليس معنى هذا أنه يتبنى ما ورد فيه، وإنما غايته إطلاع زوراه، ممن فاتهم قراءة الكتاب، على الحديقة السرية لواحد من أكثر الملوك العلويين إثارة للجدل على طول تاريخ حكم هذه العائلة للمغرب.
(الحلقة الإثنى عشر)

إنها مرحلة جديدة في حياة أفقير. فبعد شطف الطفولة، واليفاع في كلية أزرو القاسية والشباب الصارم في مدرسة الدار البيضاء، وبعد قسوة الحملة على إيطاليا، والحرب دون هوادة في أقنية الكوشنشين، هي ذي مرحلة الترف واللذة. حفلات عشاء ساهرة في دار المندوبية، استقبالات، التعرف على كبار الموظفين، ورجال السياسة والسفراء وعلى نسائهم اللواتي لا يدعنه يجهل أنه يحظى بإعجابهن. غرائبيته خطرة دون شك، لكنه يتمتع أيضاً بالجاذبية. الابتسامة تلقي شعاع شمس دافئ على ذلك الوجه الجليدي، والنظرة القاتمة كالإسفلت التي حيّرت جميع مخاطبيه يمكن أن تنجلي. إضافة إلى أن الرجل ليس سوداويا منغلقاً على نفسه، فهو مع طريقته الضارية، محبُ للحياة، وجلسات المقامرة حتى الفجر، وجولات المرابع الليلية، ولديه مخزون عرمرم من الذكريات مع فتيات الأرياف الفرنسيات، والسيدات البورجوازيات المتكلفات اللواتي يبحثن عن المغامرات العاطفية.

كان اختصاصه الاستخبارات وهو على صلة بجميع دوائر الأمن الفرنسية، وهو يفضل دائرة الاستخبارات الخارجية ومكافحة الجاسوسية المؤلفة من مجموعة من الضباط. إنه عنصر فعال في ضبط الأمن الفرنسي في المغرب. عندما حل جوان في دار المندوبية وفي يده عصا المارشالية، لم يخش أفقير على منصبه، فجوان رئيسه في إيطاليا: هذا ما يُؤخذ في الحسبان فقط، وكان غيوم هو الذي خلفه قائدا للقناصة في بلفيدير، وكاريغليانو. وقد استدعى أفقير ليعمل في مكتبه. فأسف أفقير لوجوب تخليه عن دفال، لكنه لبى الأمر.
ها هو الآن في مركز السلطة: دار المندوبية حيث يمكن أن يُستخدم المرافق العسكرية لفتح الأبواب، والمحافظة على حقيبة أوراق سيده، غير أن أفقير أتى ليُخبر. تحت إمرته شبكة من المخبرين تنقل إليه كل ما يدور في الأوساط الوطنية، قدمت له دائرة الاستخبارات ومكافحة الجاسوسية، وإدارة الأمن الإقليمي DST بعضهم، واختار هو بالذات بعضهم الأخر.

لهذا السبب دون شك احتفظ بع خمسة مندوبين عامين متتابعين، الليبراليين منهم ومواصلو سياسة الشدة والقمع. وقد أبّنه عدد منهم بعد موته في الصحف الفرنسية وأشادوا بفضائله، إنما بشكل مبهم إذا نظرنا إليها بعين المغاربة. فقد كتبوا أنه كان مخلصا وأمينا. لكن لمن؟

تابع عن قرب فتن كانون الأول 1952 في الدار البيضاء، ولم يخف عن أقربائه رأيه في الحكم بأن الردع كان ضعيفا. السياسة بالنسبة له فن بسيط وتتطلب إجراءات تنفيذ حازمة: التعرف على الخصم ثم القضاء عليه. ونوادي الضباط في الهند الصينية شربته كره الشخصيات الفرنسية، غير أن ازدراءه لم يستثن مواطنيه، كلهم ثرثارون، ونشأته الريفية تنفره من المدن المكتظة بالسكان. وهكذا فلا شيء مما كان يقال في دار المندوبية يزعجه فالمناطق النائية تؤيد السلم الفرنسي، والوطنيون حفنة قليلة من المثقفين الحاقدين، وبعض الرشاشات تعيد الصواب الحشد الفوضوي الضال من سكان أحياء الصفيح في ضواحي المدن الكبرى.

كان مؤيدا للغلاوي بالتضامن القبلي بمعناه العريض: فهو وافد من الجنوب، ثم إن لهذا الإقطاعي العجوز، حامي المومسات هيمنة شخصية غير تلك التي عُرفت عن السلطان الذي كانت المندوبية تسخر من جبنه وضعفه الفزيائي، وأفقير القوي بشبكة مخبريه غذى الحملة باتجاه خلع محمد بن يوسف، مقدرا عدد الباشاوات والقواد الذين يمكن الاعتماد عليهم معايرا الضغط على المناهضين.

كان كل ذلك في الخفاء حتى عن موظفي مكتبه في دار المندوبية، وبطرق الاستخبارات السرية، بشكل لا يظهر فيها اسمه مطلقا. اكتسب مهارة وخبرة: استدل أن أربعة باشاوات فقط من أصل ثلاثة وعشرين حافظوا على ولائهم للسلطان، كما أن ستة قواد فقط من مجموع ثلاثمائة وثلاثة وعشرين قائدا استمروا على عهد الوفاء له.

غيّرت فرنسا من موقفها، وغير أفقير اتجاهه أيضا، يجب الحصول على استقالة ابن عرفة السلطان الدمية، وتهيئة المكان صراحة لسيدي محمد بن يوسف. ولم يتمسك العجوز المسكين مطلقا بالعرش، ولم يطلب أبدا إلا العودة إلى دراسته الفقهية الأثيرة إلى نفسه. غير أن حاجبه، وهو صنيعة الغلاوي، كما أنه وثق الصلة بالمتطرفين الفرنسيين، أقام حرسا محكما حوله. لكن أفقير، وفقا لرواية ذاعت في حينه، هو الذي أقنع الرجل العجوز بالتنازل عن العرش، ونقله من القصر مختبئا في صندوق سيارة مبعدا الحرس الأسود بالتهديد بالسلاح وفقا لرواية بعضهم، وبالرشوة كما روى آخرون.

كان الجنرال بوايه دي لاتور، الرئيس السابق لأفقير في كوشنشين، هو المقيم العام، لكنه كان قد قدم استقالته ولا يتحكم أبداً في وضع كثير الاضطراب، وقد ذكر فيما بعد أن الحكاية طرفة مختلفة.

بقي أفقير مرافقا عسكرياُ، لكن في هذه المرة للسلطان المنتصر. وبدا له المستقبل بلون الزرقة الصافية المشرقة.

يتبع ...