بديل ـ الرباط

أعاد كتاب "الأمير المنبوذ" لصاحبه الأمير هشام، ذاكرة بعض المغاربة إلى كتاب آخر، هز عرش الحسن الثاني، بالقدر الذي لم تهزه كل الانقلابات التي شهدها عهده، حتى إن بعض المتتبعين اليوم يتساءلون: كيف سيتعامل محمد السادس مع كتاب "الأمير المنبوذ"؟
"صديقنا الملك" لصاحبه الصحفي الفرنسي جيل بيرو، كتاب قهر الحسن الثاني، لدرجة دفعته إلى إدانته مباشرة على التلفزة المغربية، وهو الذي لم يقهره لا جبروت عسكر ولا مناورات اشتراكيين ولا تقية إسلاميين، حتى قضى فوق كرسي العرش زهاء أربعين سنة من الحكم، لم تخل سنة واحدة منها من العواصف الاجتماعية والسياسية والعسكرية.
وإذ يعيد "بديل" نشر الكتاب على شكل حلقات مساء كل يوم فليس معنى هذا أنه يتبنى ما ورد فيه، وإنما غايته إطلاع زوراه، ممن فاتهم قراءة الكتاب، على الحديقة السرية لواحد من أكثر الملوك العلويين إثارة للجدل على طول تاريخ حكم هذه العائلة للمغرب.

جرت الحلقة الأخيرة من تصفية المقاومة في الجنوب، فقد قام جيش تحرير الجنوب يدعمه المجاهدون الوحدويون المستقلون، الوافدون من الجميع أنحاء المغرب بحملة حربية شاملة على المنطقة، تساعدهم القبائل الصحراوية ضد قوات فرانكو الاسبانية . قادتهم عملياتهم عند الحاجة، إلى موريتانيا الباقية في حينه تحت السيادة الفرنسية،إنما عشية التفاوض على منها الاستقلال.
غدا الوضع خطيرا بالنسبة للملك. إذ لا يمكنه أن يتنصل من هذه الحملة والتنكر للمقاتلين فيها: فالمغرب بكامله- الأحزاب من بينهم الحزب الشيوعي، والنقابات ، والجمعيات المختلفة- يعتبر الصحراء الغربية وموريتانيا جزءا من ترابه الوطني.
علال الفاسي يردد بخطب نارية أن حدود البلاد الجنوبية هو نهر السينغال...لكن كيف يمكن القبول بوجود تلك القوة المسلحة المستقلة عن القوات المملكة المسلحة، و تفكر بالانخراط فيها، وهي ذات إقليمية مترافقه بهدف سياسي واضح؟
أقنعت فرنسا الملك باتخاذ قرار حاسم، موريتانيا كما الصحراء الغربية، ليستا تلك الكومة من الرمل التي سمحت إنجلترا في السباق للديك الغالي أن يتبختر صياحا عليها، فباطن أرضها قد انكشف عن خامات الفوسفات وفلزات الحديد.

توقعت مجموعة عالمية ، في عددها بالطبع مصرف باريس والبلاد المنخفضة بدء استثمار حوض الزويرات المنجمي، وإنشاء خط حديدي لنقل الخامات حتى ساحل الأطلس وتحديث منشآت مرفأ بور إتين (نواديبو بعد الاستقلال)، والتمست من البنك العالمي للتنمية الاقتصادية منح قرض لهذا الغرض، فتردد لعدم توافر الشروط الأمنية، تبين عدم الاستعداد للمجازفة برؤوس أموال لهذا المشروع إن لم تستقر الأمور في موريتانيا مما يستلزم ملاحقة جيش التحرير.
فيما يتعلق بفرنسا الغارقة في الحرب مع الجزائر، توفر هذه العملية لها فائدة إضافية، تتجلى في تخليص حدودها الصحراوية من بضعة آلاف من الرجال المناصرين كليا للقضية الجزائرية.
في كانون الثاني من عام 1958 وضع الفرنسيون و الإسبان بالاتفاق التام مع السلطات المغربية خطة حملة عسكرية أطلق عليها اسم الإعصار، ولُقب اسمها الفرنسي الممسحة.
في الشهر التالي مّشط خمسة عشر آلف جندي ، تدعمهم نحو مئة طائرة، الصحراء اضطرت القبائل الصحراوية، وقد أبيدت ماشيتهم، إلى الهجرة.
سُحق المقاومون، فرموا السلاح، والتحق معظمهم بالقوات الملكية المغربية، أو عاد إلى ديارهم.

استمر القادة المغاربة والسلطان على رأسهم، في التأكد جهاراً أن"الأراضي الصحراوية هي امتداد للمغرب"،بل ورفضوا مدة طويلة الاعتراف بوجود موريتانيا المستقلة، لكن هذا لم تحُل دون تركيز النظام الاقتصادي الاستعماري، وانصراف موريتانيا إلى تأمين وضع مستقر لهل بعيداً عن المغرب، بينما حافظت إسبانيا على وجودها في ساقية الذهب.
لكن القضية عادت إلى ساحة الجدل بعد ستة عشر سنة.
من بين المجاهدين النادرين الناجين من عملية الممسحة، والذين قرروا مواصلة الجهاد، أحمد أغوليز، وهو طاه سابق في مطعم للطلاب. كان من الأوائل، فقد أنشأ في الدار البيضاء خلية سرية، وانتهى به الأمر إلى توقيفه من قبل الشرطة الفرنسية، ثم هرب.لُقب في الحرب بـ"شيخ العرب"، وغدا هذا اللقب أسطوريا في أوساط أحياء الصفيح في المغرب.