بديل ـ الرباط

أعاد كتاب "الأمير المنبوذ" لصاحبه الأمير هشام، ذاكرة بعض المغاربة إلى كتاب آخر، هز عرش الحسن الثاني، بالقدر الذي لم تهزه كل الانقلابات التي شهدها عهده، حتى إن بعض المتتبعين اليوم يتساءلون: كيف سيتعامل محمد السادس مع كتاب "الأمير المنبوذ"؟

"صديقنا الملك" لصاحبه الصحفي الفرنسي جيل بيرو، كتاب قهر الحسن الثاني، لدرجة دفعته إلى إدانته مباشرة على التلفزة المغربية، وهو الذي لم يقهره لا جبروت عسكر ولا مناورات اشتراكيين ولا تقية إسلاميين، حتى قضى فوق كرسي العرش زهاء أربعين سنة من الحكم، لم تخل سنة واحدة منها من العواصف الاجتماعية والسياسية والعسكرية.

وإذ يعيد "بديل" نشر الكتاب على شكل حلقات مساء كل يوم فليس معنى هذا أنه يتبنى ما ورد فيه، وإنما غايته إطلاع زوراه، ممن فاتهم قراءة الكتاب، على الحديقة السرية لواحد من أكثر الملوك العلويين إثارة للجدل على طول تاريخ حكم هذه العائلة للمغرب.

هنا، وعلى نحو شعائري، يقيم الحسن الثاني ذكرى ميلاده. على مر السنين وصل عدد المدعوين إلى الألف، دون النساء اللواتي يُستقبلن في اليوم التالي. اللباس الرياضي إلزامي، إذ يرتدي المدعوون الجينز، والـ"بولو" والـ"لاكوست"، والقمصان الهاوائية "نسبة إلى هاواي" المشجرة أو المخطط بشدة، والبنطلونات ذات الألوان الفاتحة، حتى لتحسب أنك وسط ناد فسيح على شاطئ المتوسط، أعضاؤه اللطفاء وزراء وسفراء، وأثرياء كبار، وجنيرالات وسياسيون بارزون، النخبة المغربية، أو من يعتبرهم الملك ممثلي النخبة موجودون هنا يتحاورون مع الشخصيات الأجنبية الشهيرة أمثال جاك شازو، لم يُدع قادة الاتحاد الوطني للقوى الشعبية هذه السنة بسبب دعوى مراكش، لكن شوهد بين المدعوين علال الفاسي النزق دائما رغم تقدمه في السن، والدكتور مسواك، النصير الشهير للحزب الشيوعي.

وكما العادة دائما وُجد بين الحضور مجموعة من الأطباء معظمهم من مشاهير النطاسيين الفرنسيين الذين جاؤوا خصيصا لحضور المناسبة، فالملك موسوس صحيا، ينتابه هاجس المرض ويخشى الموت، ويطمئن عندما يرى نفسه محاطا بأقطاب أهل الاختصاص الطبي. مع علال الفاسي وُجد شيخان جليلان يجسدان تاريخ المغرب المتناقض.

الدكتور دوبوا- روكبر الثمانيني، الطبيب الجراح والصديق الشخصي للسلطان محمد بن يوسف الذي بذل جهودا كبيرة للحيلولة دون خلعه، ثم تعددت زياراته له أثناء نفيه في كورسيكا ومدغشقر، وهو يكن الكثير من الود للحسن الذي شهد عمليا ولادته، لكنه كان يقلق لتصرفاته وينتقدها علناً أحياناً، وقد سمع عنه قوله"نجحنا في تثقيفه، لكننا فشلنا في تربيته".

ثم المارشال مزيان الذي وُلد في الريف الذي كان تحت الاحتلال الإسباني آنذاك واشتهر عسكريا محترفا في الجيش الإسباني وارتبط بصداقة متينة مع الكوديلو. سمي بعد الاستقلال، أول سفير للمغرب في مدريد، ومنحه الحسن الثاني عصا المارشالية- وهي رتبة تمنح لأول مرة في الجيش المغربي- بتاريخ 17 تشرين الثاني 1970 وهو حَمو الجنرال مدبوح.

كان الجنرال مدبوح، خِلد مؤامرة تموز، يهتم بكل شيء، وهو رئيس بيت الملك العسكري، أي السيد الحقيقي للجيش، مهمة الدفاع الوطني تقتصر على تسيير الأمور الإدارية، هذا هو نظام الحسن: السلطة الحقيقة تُدار مباشرة من داخل القصر، الترفيعات والتنقيلات، وتحركات الوحدات تتعلق بمدبوح وحده، قاس ومفرط في التدقيق، يعرف كيف يرضي ويحوز على الرضى، لكن الحاشية الملكية تذكر سببا أخر لحظوته: الغولف. كان لاعب بولو سابقا، وفارس سباق الخيل، اضطرته الظروف الصحية للتخلي عن هاتين الرياضتين والتحول إلى الغولف، حيث ترأس الاتحاد المغربي، الحسن الثاني يعبد الغولف، إنه يحكم المغرب وهو يضرب الكرة الصغيرة البيضاء، حيث يتبعه من ثقب إلى آخر غفير  من الوزراء، وملفاتهم تحت آباطهم: كوفئ أبناء الرباط الطيبين من قبل ملكم بصورة له بعشرة أمتار طولا وأربعة عرضا معلقة أمام مسجد مولاي يوسف في قلب المدينة، وهي تمثل أمير المؤمنين يوجه كرة الغولف بضربة رائعة نحو الثقب البعيد.

كان سائقو سيارات الأجرة يشيرون بأصابعهم أمام السياح الأجانب إلى هذه اللوحة الضخمة قائلين:"إنه الملك أثناء العمل" إنه يتباهى بثياب لعب تثير ذعر المدعوين البريطانيين، لكن كل واحد يعلم أن شغف الحسن الثاني بتنوع الألبسة، لا يعادله إلا سوء ذوقه في اختيارها. إنه يفضل بصورة خاصة البزّات السوداء ذات الخطوط العريضة البيضاء، مع ربطة عنق براقة، ولُبدة منكسة نحو العين .

رفض الملك في اللحظة الأخيرة أن يشارك في مباراة غولف نظمها مدبوح على مسار خُضرة موازية للشاطئ(هناك حي في الرباط حُرم من الماء في شهر تموز الحارق هذا، لتأمين سقاية أبسطة الملعب العشبية)، فقد خشي أن تطول مدة المباراة نظرا لعدد المشتركين الكبير، غير أنه حضر مبكرا في الصباح (في برمودا أزرق اللون، وقميص مفتوح الصدر، وقبعة خيال) ليتلقى تحية المتبارين. في جميع الأحوال كانت التصفيات النهائية ستتم في اليوم التالي على ملعب دار السلام الفخم بين أبطال محترفين وفدو من مختلف أنحاء العالم. جرت العادة أن يقوم مظليون بخدمة مجموعات اللاعبين. ولوحظ أيضا أن الحراسة أقل كثافة من السنوات السابقة، وأن التدقيق في بطاقات الدعوة على المدخل يتم بطريقة شكلية، يبدو أن مدبوح المسؤول عن الأمن لا يخامره أي قلق.