بديل ـ الرباط

قادت مليكة مجموعتها الصغيرة الحزينة إلى منازل عدة أصدقاء من أيام زمن العز الغابر فأوصدت جميع الأبواب في وجهها. الخوف من الملك أقوى من كل صداقة أو شفقة. مجرد رؤيتهم يُعد نكبة. المصابون بالجذام لم يثيروا مثل هذا الرفض المروع.

باب الدكتور عبد الكريم الخطيب فُتح أمامهم. إن وُجد رجل في مملكة الحسن الثاني يملك الجرأة و النفوذ الضروريين لاستقبالهم فهو الدكتور الخطيب. بطل المقاومة، وزعيم حزب مخلص للقصر، ووزير شبه دائم في كل حكومة، برهن عن شجلعة متميزة في مذبحة قصر الصخيرات. قاده الطلاب الضباط، بعد أن جُرح برصاصة طائشة إلى العقيد عبابو. عندما رأى عبابو الرهيب الرئيس السابق لجيش التحرير الوطني صاح "الدكتور خطيب"، ثم وجه إلى رجاله هذه الكلمات المنقذة: "دعوه". كان الحسن الثاني يُكن احتراما عميقا لوالدة الدكتور لالة مريم؛ و أمر عند وفاتها أن تُدفن في مدفن العائلة الملكية. عبد الكريم الخطيب هو واحد من الرجال القلائل الذين يقدرهم الملك ويجلهم.

عالج جروح أولاد صديقه القديم أوفقير، وقدم لهم ثيابا نظيفة وقادهم حتى الباب.

في مملكة الحسن الثاني حتى الدكتور الخطيب لا يمكنه أن يفعل أكثر من ذلك.

بما أن الخوف يجمد حتى الرجال الذين هم قدوة الأمة في الجرأة، قرر أبناء أوفقير أن يجبروا حظهم لدى السفارات الأجنبية. سفارة الولايات المتحدة الأمريكية كانت في شبه استنفار خشية اعتداءات محتملة فأفزعتهم بانتشار الشرطة حولها. السفارة الفرنسية تحت الحراسة أيضا. سفارة السويد طردتهم منذ أن أعلنوا عن هويتهم.

قرروا أن يسافروا إلى طنجة. هناك تعيش ماما قسوس صديقة أمهم الحميمة سابقا، فكلتاهما سادتا خلال سنوات على نخبة أعيان الرباط، تاركين القلوب تهفو إليهما. و بينما اختفت فاطمة في الجنوب، تبعت ماما قسوس زوجها الثري إلى الشمال، إلى طنجة، حيث تحيا في ترف و بذخ. و بالنسبة لفاطمة إذا كانت ماما قسوس تمثل خشبة الإنقاذ الأخيرة بسبب بُعدها الجغرافي، فهي على كل حال من يمكن الإعتماد عليها.

تركوا الرباط متوجهين إلى طنجة قانطين من رؤية عديد من الأبواب تُغلق في وجوههم.

أُعلن الإنذار بعد هربهم بأربع ساعات. و فرضت الرقابة على جميع طرقات المغرب. وبدأت الشرطة تحرياتها لدى أولئك الذين يُتوقع أن يستقبلوا الهاربين، متتبعين آثارهم الحديثة أحيانا.

يُتبع...