بديل- الرباط

أعاد كتاب "الأمير المنبوذ" لصاحبه الأمير هشام، ذاكرة بعض المغاربة إلى كتاب آخر، هز عرش الحسن الثاني، بالقدر الذي لم تهزه كل الانقلابات التي شهدها عهده، حتى إن بعض المتتبعين اليوم يتساءلون: كيف سيتعامل محمد السادس مع كتاب "الأمير المنبوذ"؟

"صديقنا الملك" لصاحبه الصحفي الفرنسي جيل بيرو، كتاب قهر الحسن الثاني، لدرجة دفعته إلى إدانته مباشرة على التلفزة المغربية، وهو الذي لم يقهره لا جبروت عسكر ولا مناورات اشتراكيين ولا تقية إسلاميين، حتى قضى فوق كرسي العرش زهاء أربعين سنة من الحكم، لم تخل سنة واحدة منها من العواصف الاجتماعية والسياسية والعسكرية.

وإذ يعيد "بديل" نشر الكتاب على شكل حلقات مساء كل يوم فليس معنى هذا أنه يتبنى ما ورد فيه، وإنما غايته إطلاع زوراه، ممن فاتهم قراءة الكتاب، على الحديقة السرية لواحد من أكثر الملوك العلويين إثارة للجدل على طول تاريخ حكم هذه العائلة للمغرب.

سنوات قاتمة كان الملك سيد الجميع يعالج الداء بالداء، فما أن يبرز رأس عن التراصف حتى يلويه الردع.

في بداية 1966 ، حكم عل حسن إسماعيل، نائب رئيس اتحاد الطلاب الوطني بستة أشهر سجنا. في شهر آذار كان دور المحامي عمر بن جلون، المحكوم عليه بالإعدام في مؤامرة تموز 1963، والمعفى عنه عقب فتنة الدار البيضاء 1965.

وقد حكم عليه مجددا بالسجن ثمانية عشر شهرا" لتحريضه على الإضراب" مضافا إليها حظر الإقامة في المدن مدة سنتين.

في حزيران وبينما العدوان الإسرائيلي يثير انفعالا عميقا في كل البلاد، وجه بن صديق، رئيس اتحاد العمال المغربي، برقية إلى الحكومة ينتقد فيها موقفها المبهم من النزاع العربي- الإسرائيلي.

وقد اشتهر بالتباس علاقته مع القصر، وتمرده على أوامر السلطة وهو يقود نقابته بالعصا، فعرف بدوره فراش قش الزنزانات الرطب: وحكم عليه بالسجن ثمانية عشر شهرا.

في تموز 1969 حكم على علي يعته، الأمين العام للحزب الشيوعي، المسمى من جديد حزب التحرر والاشتراكية، بالسجن عشرة أشهر، بينما صدر قرار بحل منظمته، غير أن حزب التحرير والاشتراكية الصغير، برز تحت اسم أخر، وبقي علي يعته أمينا عاما للحزب الذي غير اسمه للمرة الثانية، فغدا حزب التقدم والاشتراكية. واتجه أمينه العام إلى القصر يقبل يد الملك ظهرا وراحة في المشاورات غير الرسمية التي اشتهر الحسن الثاني بمهارات في إجرائها.
في تشرين الأول 1969جرت للمرة الثالثة الانتخابات القروية والبلدية منذ الاستقلال، في هذه المرة كان اسم وزير الداخلية أفقير، فنظرا لعدم التوصل في المفاوضات إلى نسبة تزوير مقبولة، قاطع الاتحاد الوطني للقوى الشعبية ، وحزب الاستقلال الاقتراع.

كانت النتائج وفقا لتعليق وزير الداخلية تُظهر طلاقاً بين الناخبين والأحزاب. إذا أن المرشحين المسمين قياديين أو مرشحي أفقير حصلوا على نسبة 28.79% من المقاعد، والحركة الشعبية المقربة إلى القصر 12.7% والمرشحون الذين ينتسبون للإستقلال رغم المقاطعة على4% من المقاعد ومرشحو UNFPعلى 5%.

غير أن أرقام أفقير تظهر تفرداً حير المراقبين الأجانب.

كان مجموع الناخبين في العام 1960"4.172.000 " ناخبا، وبعد تسع سنوات لم يتعدى 4.771.000 كيف يمكن تفسير هذا التزايد الضعيف في بلاد عرفت منذ عشر سنوات نموا ديموغرافيا شديد التسارع؟

تميزت نهاية السنة باكتشاف "مؤامرة"جديدة.

بدأت القضية باعتراف مُنادي ابراهيم، الذي قدم إلى الشرطة مدعياً السعي إلى إراحة ضميره، وكشف دون تردد عن المؤامرة السوداء التي وُرط فيها(صُفي إبراهيم بعد الدعوى).

كانت السلطة أبعد من أن تكيل القدح والشتائم المقذعة الصاخبة، وتركت هذه المرة القضية تنضج على نار هادئة. بدءاً من خريف 1969 وحتى ربيع العام التالي، تتابعت أعمال خطف مسؤولي الاتحاد الوطني للقوى الشعبية أو أعضائه. لم يعلم أحد أين أوقفوا، وأية تُهم وجهت إليهم، هكذا اختفى الحبيب الفرقاني، الشاعر والصحفي، والنائب السابق، مسؤول الاتحاد الوطني للقوى الشعبية في جنوب البلاد. والمحامي محمد اليازجي عضو اللجنة المركزية، المسؤول النقابي في الرباط، والمعاون الرئيسي المقرب من عبد الرحيم بوعبيد، الخ...بلغ عدد المختفين المئات.
تسارعت القضية بتسلم إسبانيا مغربيين، أحدهما محمد أجار، أحد قادة المقاومة السابقين، وأحد مؤسسي الاتحاد الوطني للقوى الشعبية، وكان قد استقر في مدريد في العام1969 بعد إبعاده إلى الجزائر استمر ست سنوات. والآخر أحمد بن جلون، المسؤول السابق في اتحاد الطلاب المغاربة، وكان دائم التنقل بين اسبانيا ودمشق.

اتهم الاثنان بأنهما اشتريا أسلحة خفيفة لإثارة عصيان في المغرب.

والواقع أن بن جلون كان يتهم بشراء الأسلحة، لكنها كانت تُشحن من برشلونة بموافقة ضمنية من السلطات الاسبانية إلى الفدائيين الفلسطينيين.
لكن يبدو أن العملية قد توقفت على الفور بناء على ضغط أمريكي على السلطات الإسبانية.

وفرت هذه القضية لأفقير مادة لدعم ادعائه"بالمؤامرة".

إذ يكفي أن يؤكد أن الأسلحة قد أعدت لتجهيز العُصاة المغاربة وليس الفدائيين الفلسطينيين.

سلمت مدريد دون أية صعوبة أجّار وبن جلون. كان الأول قد حكم عليه بالموت غيابيا في دعوى"مؤامرة تموز"، ومرة ثانية في العام 1965 عقب أحداث الحدود الجزائرية- المغربية.

يتبع..