بديل ـ الرباط

في بلوزرن، في الفينيستير، طلب زوجان فرنسيان، لم يُفصح عن هويتهما، من الكاهن أن يقيم قداسا لراحة نفس أوفقير، إنه رفيق سلاح و زوجته دون شك. فاستجاب الكاهن للطلب و أقام القداس يوم 18 أيلول.

صباح 18 آب، حضرت ثلة من الحراس و عزلت فيلا السويسي. حتى أن دبابة وُضعت قُربها. طُرد جميع الخدم. قُطع الهاتف. لم يبق مع فاطمة و أولادها الستة إلا ابنة عم لها وفية للعائلة، و المربية الإنكليزية الشابة مِس براون التي وُظفت لدى أوفقير خلال إقامة لهم في لندن، في منزل اشتروه يحمل رقم 19 شارع هايدبارك. كانت آنا براون تنزه لهم أولادهم الصغار و تعلمهم الإنجليزية. أحبت العائلة فلحقت بها إلى المغرب. علمت السفارة البريطانية في الرباط بما لحق بعائلة أوفقير من تقييد حرية، فحاولت عبثا سحب آنا براون من خدمتهم و ترحيلها إلى بلادها.

في 23 آب أجرى جان مورياك مراسل وكالة الصحافة الفرنسية مقابلة مع الملك، صرح له خلالها "لو تعلم أن زوجة أوفقير هي سبب شقائه". ثم وجه الإتهام إلى شخص اسمه بهجت "توصل إلى التأثير على اوفقير، و على زوجته خاصة" بهجت هذا، وهو أحد كبار موظفي وزارة الداخلية، كان مقربا من أوفقير منذ السنوات التي قضاها مديرا للأمن العام، و قد تورط في العام 1970 في قضية استغلال نفوذ تهدف إلى نزع ملكية صناعي فرنسي لمصنعه لمصلحة متواطئين مغاربة. كان للفرنسي من يدعمه في القصر فنجح في إفشال المحاولة، و اضطر بهجت إلى الاستقالة مع مدعي عام الدار البيضاء و مدير في المكتب الملكي بمنزلة الوزير. تابع الملك:"ذلك الموظف كان يفرض خوة لمصلحة السيدة أوفقير و لمصلحته في جميع المجالات الخاضعة لسلطة وزير الداخلية. طلبتُ من أوفقير طرده، ففعل ذلك إنما على مضض. اعتبر أن هذا الإجراء موجه ضده. راوده شعور بأنه فقد مكانته. لماذا؟ لا أستطيع التعليل. في الحقيقة، كان أوفقير يعاني المآسي في منزله. وجدته في الصخيرات رجلا ناضجا، لكنه متفكك فكريا إلى قطع منفصلة. تكفي نقرة إصبع لينكفئ إلى الجهة المقابلة".

بتاريخ 23 كانون الأول، بعد نهاية فترة الحداد الرسمي لدى عائلة أوفقير حضرت شاحنات دون ألواح زجاجية و توقفت أمام فيلا السويسي، و أقلت فاطمة و أولادها السته – وكان عبد اللطيف الولد الأخير في الثالثة من العمرــ أصرت نسيبتهم عاشورا على البقاء معهم تقاسمهم نصيبهم في الحياة. أما أنًا براون فقد مُنحت حريتها و سافرت إلى لندن.
انطلقت الشاحنات إلى جهة مجهولة.

زائر مجهول الهوية كان يحضر في أوقات منتظمة إلى منزل العقيد شنا والد فاطمة ليؤمن له الأدوية اللازمة لتهدئة نوبات صرع مريم الصغيرة، و في أحد الأيام حضر لينبئ الجد بعدم الحاجة من الآن فصاعدا لهذه الأدوية، فاستنتج شنا أن حفيدته توفيت، لكنه لم يوجه للزائر الغريب أي سؤال. لا أحد من ذوي عائلة أوفقير، أو أنسابهم، أو أصدقائهم، أو معارفهم، أو من كانت تربطهم به علاقات اجتماعية ــ وهم يُعدون بالمئات ــ سأل عن مصير المختفين، لا أحد من أبناء الأثراء أو الوزراء الذين كانوا يتهافتون على الحظوة بود مليكة الفاتنة سأل عما حل بها.

في مغرب الحسن الثاني لا تُطرح الأسئلة.

و بأمر من الملك هُدمت فيلا أوفقير في حي السويسي، و أزيلت معالمها.

يتبع..