بديل ـ الرباط

في مساء اليوم التالي، اقتيد أموقران من جديد خارج زنزانته و لم يُعد إلا صباح اليوم التالي ليطلب من رفاقه أن يجدوا و سيلة لإنذار المحاميين عمر بن جلون و محمد اليازجي، المقربين من بوعبيد بوجوب أخذ الحذر، لأنه عُذب طوال الليل ليُنتزع منه اعتراف بتوريطهما و ادعاء اشتراكهما في المؤامرة.

في جميع البلدان التي ماتزال تمارس أحكام الإعدام الإعدام يقضي المحكومون أيام الأعياد الوطنية أو الدينية بسلام، إذ أنه من الأعراف السائدة ألا ينفذ حكم الموت في مثل تلك الأيام. غير أن الحسن أختار يوم الوقفة على عرفات عشية العيد الكبير _ الأضحى_ وهو يوم صلاة و مهادنة، لينفذ ـ أحكام الإعدام رميا بالرصاص بالطيارين الأحد عشر.

تم التنفيذ يوم السبت 13 كانون الثاني 1973 في حقل رمي قاعدة القنيطرة. في مشهد أخير كان أمام المحكومين المكان الذي جرت فيه المأساة: في منعطف وادي سيبو السجن المركزي، و في منعطف آخر أبنية القاعدة و الدروب التي ساروا عليها مرارا للوصول إلى طائرتهم إف 5 في مهمات تدريبية، ثم في 16 آب في مهاجمتهم المشؤومة الفاشلة لطائرة البوينغ.

لم يهتف أحد "يحيا الملك".

كان أموقران متزوجا من ألمانية غادرت المغرب. أما زوجة قويرة فكانت معلمة من الشمال و لها منه ولدان: صبي و بنت. كلاهما أشقران، جميلان جدا ، و ذكيان. تزوجت مجددا بعد موته من مدرس و رزقت منه خمسة أولاد.

مايزال قبرا الضابطين في الريف يزينان بانتظام حتى اليوم بالأزهار.

استمرت الحياة في مجراها المعتاد بالنسبة للمحكومين بالأشغال الشاقة و السجن. كانوا موقوفين في سجن المحكومين بالإعدام. ففي المنطقة جيم وُجد أربعة و سبعون سجينا من قضية الصخيرات لم يكن مراقبوه من حراس إدارة السجون بل من رجال وحدات الأمن ذات التدخل السريع وهم أكثر قسوة و فظاظة، أو من الدرك.

مُنح أهل المساجين الحق بزيارتهم مع السماح لهم بحمل طرود لأبنائهم.

في ليل السابع من آب 1973 و تحت وطأة درجة حرارة عالية دخلت شاحنات عسكرية إلى حرم السجن. تم تقييد جميع السجناء، الطيارين، و محكومي الصخيرات، و ألقو في الشاحنات التي أقلعت بهم إلى جهة غير معلومة.

توجه ذوو المسجونين تقصا لأخبار أبنائهم إلى إدارة السجون. و إلى وزارة العدل، و غلى قيادة أركان الجيش بقواه المُختلفة، و حتى إلى القصر الملكي، و ارتدوا خائبين دون أية كلمة تطمئنهم. زيارات بيتية من الشرطة طلبت منهم التزام الصمت و عدم طرح أسئلة. لم يصل أي خبر من أي نوع من أحد المسجونين المختفين في ليل 7 آب. و من حُكم منهم بالسجن لمدة سنتين أو ثلاث سنوات لم يفرج عنه بهد انتهاء مدة محكوميته.

في 13 تموز 1975 صدر بيان عن وزارة الإعلام يُعلن عن هرب أربعة عسكريين من مكان اعتقالهم، منهم محمد أبابو أخو العقيد، و المساعد الأول أكا... لم يحدد المكان الذي هربوا منه. فتشت بلاد المغرب كما لم يسبق تفتيشها من قبل. و أقيم خمسة و ثلاثون حاجزا بين تطوان و الرباط. كانت حرارة الشمس اللاهبة تذيب إسفلت تعبيد الطرقات. و في 20 تموز صدر بيان آخر يُعلن إلقاء القبض مجددا على الهاربين باستثناء أكا، الذي قُتل أثناء مطاردة قوى الأمن له. هروش أكا، رجل الحرب، الذي ارتاع القصر من هربه، نجح في الوصول إلى غابة المعمورة، الغابة التي سبق لرئيسه العقيد أبابو أن وجه خطابه لطلاب مدرسته العسكرية فيها قبل أن ينطلق في مغامرات الصخيرات. حوصر أكا من قبل رهط من القناصة. و قُتل أو صُفي في ظروف بقيت غامضة.

ثم من جديد الصمت. لا أحد يعلم أين حل المحكومون الذين نُقلوا من سجن القنيطرة في 7 آب 1973، على غرار عائلة أوفقير، فكأنهم اختفوا عن سطح الأرض.

يتبع..