بديل ـ الرباط

في اليوم التالي من المؤتمر الصحافي اصدر جناح الاتحاد UNFP الذي يرأسه بوعبيد بياناً قاسياُ: "افقار الجماهير الشعبية و اضعافها، لمصلحة أقلية من الاقطاعيين و الرأسماليين المتحالفين مع المصالح الأجنبية، قاد الى تعميم الأزمة الاجتماعية التي سببت سلسلة من الأحداث الدامية. في هذه الحقبة الطويلة غدا القمع، و الاختطافات، و التوقيفات، و خنق الحريات الأساسية، الخبز اليومي للشعب المغربي". و أضاف حزب الاتحاد الوطني: "المخرج الوحيد من هذا المأزق الذي تتخبط فيه البلاد حاليا ينحصر في اعلان سيادة الشعب، الذي يجب أن يكون مصدر السلطة، بإقامة ديمقراطية حقيقية تنتفي فيها طرق التزوير و الغش". ضاعف بوعبيد من المقابلات الصحافية. بالنسبة له انفتح "فراغ هائل" لا  يملأه الا انتخاب جمعية تأسيسية. كما أن حزب الاستقلال طالب "بأن تعطى السلطة بكاملها للشعب".

مازال الامر يتعلق على الدوام بإقناع الملك بتقاسم السلطة، و هذا ما لا يريده بأي ثمن. كان الحسن الثاني يحب أن يستشهد بتلك الحكمة المغربية القديمة: "تقتل السبع و تأكل جزءً منه، أو يقتلك السبع يأكلك كلياً".

اكتفى الملك، في حديث أدلى به لمجلة "الحوادث" اللبنانية الأسبوعية، بدعوة الأحزاب إلى عدم مقاطعة الانتخابات التشريعية القادمة، وعبَر بتلك الجملة التي تعني الكثير مما كان يجري في العمليات الانتخابية السابقة: "اعدهم بعدم خرق الشرعية".

استؤنفت الاتصالات، جريا على العادة القديمة...سبق أن أعلن بعض قادة الاتحاد الوطني للقوى الشعبية UNFP بأنهم "لن يكونوا متشددين" و سيكتفون في حال عدم انتخاب جمعية تأسيسية بتعديل دستور عام 1972.

في 23 أيلول وجه الملك رسالة الى ستة من رؤساء الأحزاب يدعوهم فيها الى الدخول في حكومة كلَف بتشكيلها نسيبه أحمد عثمان. لم توجَه نسخة من تلك الرسالة الى علي يعته، رئيس "حزب التحرر و الاشتراكية PLS "، لأن ذلك الحزب ممنوع، لكنه كان يمارس نشاطه، و وفقا للنظام الحسني، و سيف ديموقليس مسلط فوق رأسه بالقمع المبرر بقرار المنع. استدعي علي يعته الى القصر، و بلغه الملك شفهيا مضمون الرسالة.

باسثتناء الحركة الشعبية بزعامة محجوب أحردان، و الحركة الدستورية و الديموقراطية برئاسة عبد الكريم الخطيب، جاءت جميع الأجوبة سلبية. رفضت المعارضة الدخول في الحكومة الا بشرط تطبيق برنامجها. في 13 كانون الثاني، و بعد عدة ساعات فقط من اطلاق فصائل تنفيذ الاعدام بالرصاص على الاحد عشر طيارا، استهدف السياسيان اللذان أراد معذبو المقدم أموقران اتهامهما: محمد اليازجي، العضو البارز في الاتحاد الوطني في المقرب من بوعبيد، تلقى رسالة مفخخة سببت له جرحا بليغا في وجهه، و جراحا في يديه و بطنه. و في اليوم نفسه جاء رجل ليس ساعي بريد، ووضع في بيت المحامي عمر بن جلون المقرب أيضا لبوعبيد رزمة، وجهت مساءا من الرباط، كانت تحوي كتاب سفيتلانا، ابنة ستالين: كان بن جلون قد حكم عليه بالموت، ثم عفي عنه في اذار 1965 . هذا الرجل الحذر اكتشف أن الكتاب يحوي تجويفا يتضمن متفجرا نزع المفجر منه، و تمكن من تلافي خطره. أثار تزامن هذه الأحداث من اعدامات القنيطرة الخواطر و بلبلها، فاستخدام الرسائل المفخخة لم يسبق ان شكل من قبل جزءا من ترسانة قمع السلطة على سعتها. نشر حزب الاتحاد الوطني UNFP-فرع الرباط-بيانا عبر فيه عن الأمل في أن تبذل الشرطة "ما في وسعها لتحديد القتلة الذين عذبوا سابقا الضحايا".

شكل أحمد عثمان حكومة، مماثلة للحكومات السابقة، جميع أعضائها من رجال القصر.

غير أن الملك أحس بالجو المتلبد المنذر بالعاصفة، و اعترف بضرورة اجراء حركة مفاجئة.

يتبع..