بديل ــ الرباط

لغز غامض لا يُسبر عوره. إذ كنا قد أجرينا جولة لا تخلو من الأسى حول مسبح فندق المأمونية فذلك بأمل يائس لاكتشاف كنهه. كيف يمكن فهم المناعة التي اكتسبها هذا الطاغية الذي تُعد حديقته السرية أكثر الأجواء خنقا للحريات على الكوكب الأرضي؟ الدكتاتوريون الذين ينتهكون حقوق الإنسان بشكل كلبي غير قلائل، لكن في مملكة الحسن الثاني وحدها نجد مساجين أنهوا منذ كدة طويلة مدة العقوبة التي حكموا بها ومايزالون في السجون، بعد مضي أكثر من ثمانية عشر عاما من الوقائع، وفي زنزانات دون نور. لم يحدث في أي مكان، ولا حتى في عهد الإرهاب الستاليني، أن اعتقل أطفال في ظروف شنيعة ليكفروا عن جريمة أب لا يتذكر أصغرهم وجهه. لم يحدث في مكان آخر أن مات معمرون مئويون في قاع زنزانة، لم يسبق أن حدث في مكان آخر مثل هذا التعذيب الذي لاقاه فتيان مراكش.

واحد وثلاثون تلميذا ثانويا حُكم عليهم بالسجن لمُدد تصل إلى عشرين عاما – عقب اضطرابات الجوع التي ثارت في كانون الثاني 1984. معظمهم أنكروا قطعيا اشتراكهم في الأحداث. ولم يتوافر للمحكمة أي دليل، لكن الشرطة قبضت عليهم باعتبارهم من المعارضين.

بعد وقت قصير من الدعوى أعلن سبعة وعشرون منهم إضرابا متقطعا عن الطعام. طالبوا بمنحهم حق متابعة الدراسة في السجن، وتلقي الصحف الصادرة في المغرب. أمام رفض السلطة لمطالبهم استمروا في اضرابهم، وتطلبت حالتهم الصحية نقلهم إلى المشافي. توفي عبد الحكيم مسكيني في 18 تموز 1984 في مشفى بني ملال، وتوفي بوبكر الدريدي في 28 آب في مشفى مراكش، وهو في التاسعة عشرة من العمر. في اليوم التالي كان دور مصطفى بلهواري في السرير المجاور للدريدي. قضى الإثنان بعد سبعة وخمسين يوما من الإضراب.

لا يبعد مشفى مراكش إلا مسافة قصيرة عن فندق المأمونية الفخم، ويحمل الاسم نفسه. أثارت الوفاتان الأخيرتان بعض التأثر العاطفي في الرأي العام الفرنسي. لأن الرئيس فرونسوا ميتران وصل حديثا من زيارة خاصة للمغرب. فصرح الملك لجريدة لوموند:" إنه إهمال من طبيب لم يُقدر وضع المضربين، اقتلع الغبي أجهزة المصل من معصميهما قائلا: "إنكم تربكون قسمي، فلدي مرضى في سُبات وهم أولى منكم بالعناية، انصرفوا" هذا كل ما في الأمر.

أُوقف الإضراب عن الطعام بالحداد على الشبان الثلاثة، لكنه جُدد بعد عدة أشهر. في صيف 1985 انهارت صحة ستة من الفتيان. كان أحدهم مولاي طاهر الدريدي أخو بوبكر المتوفي في العام الماضي . تمكن الأستاذ مينكوفسكي المكلف من إحدى المنظمات الإنسانية الفرنسية من نقلهم إلى مشفى ابن رشد في الدار اليضاء.

مرة أخرى بلغت فظاعة الهول الحسني حدا غير معقول.

يُتبع...