بديل ، الرباط

كانت القوى الجويَة المغربية تمتلك ثماني و ثلاثين طائرة مقاتلة من مختلف الأصناف و لجميع مهمها، منها أربع عشرة طائرة نورثروب F5 أمريكية يُحافظ عليها محافظة انسان على مقلتي عينيه. حصل الطيار من على شهاداتهم من تور، و تدرَبوا في سالون-دي-بروفنس، و أجروا دورة في ولاية تكساس الأمريكية.
اخفاق طيار F5، المطاردة الأسرع من الصوت المجهزة بتقنية بالغة الدقَة للمعارك الجوَية، في اسقاط بوينغ 727 يعادل اخفاق قنَاص ماهر في اصابة بقرة على مربط في ساحة مكشوفة.

ثلاث طائرات فقط من الطائرات الستة التي أقلعت من مطار القنيطرة جهَزت رشيشاتها بثلاثمئة طلقة رصاص لكل طائرة. لا صواريخ ولا قدائف 37 مم: فوضُها في أماكن اطلاقها يحتاج الى عمل اختصاصيين و المهمة محاطة بسرَية تامَة. الرصاصات نفسها جامدة غير متفجرة. قيل فيما بعد ان الرائد قويرة، قائد السرب، أخطأ في اختيار صناديق الذخيرة، غير أن رصاصة جامدة تصيب الهدف يمكن ان تحدث أضراراُ خطيرة.

الطائرات الثلاث المسلَحة و المزوَدة بالذخيرة هي طائرة قائد السرب الرائد قويرة، و الملازم زياد، و الملازم بوخلف. الأول متواطئ في المؤامرة منذ ثلاثة أسابيع، و الثاني لم يبلَغ عنها الا قبل دقائق من الإقلاع، و الثالث أُخبر و هو في الجو بالطابع الخاص لمهمته.

أطلق الملازم زياد النار. هاجم الطائرة من الجهة اليسرى، فأصابت رشقة رصاص رشاشة محرَكين نفاثين من المحركات الثلاث و عطلتهما، و ثقبت هيكل الطائرة في خمسة مواضع، و ألحقت أضراراً في الجناح الأيسر. استأنف الرائد قويرة قائد السرب الهجوم من الأمام و من تحت البوينغ، فأصابت رصاصته أنابيب انفلاث الغاز التي انكشفت بانفتاح الطرفين السفليين من الجناحين. ثم تعطلت رشاشات قويرة. الملازم بوخلف لم يُصب أي جهاز رئيسي في الطائرة، لكن الدارات الهيدروليكية أتلفت، و المصاريع لم تعُد تستجيب تماما للمهام المخصصة لها.

قال الحسن الثاني فيما بعد ان الحواسيب بعد أن تغذَت بالمعلومات، و أجرت حسابات تكامل الأضرار التي تعرَضت لها الطائرة، أعطت قراراً قطعياً لا يقبل النقض: "لا يتعدى حظَ الطائرة النجاة بعد الأعطاب التي طرأت عليها الواحد من المليار". و استخلص الخبراء الذين فحصوا الطائرة أن حظًاً استثنائياً خارقا حال بمعجزة دون انفجار الطائرة في الجو.

بعد أن تعطَلت رشيشات الرائد قويرة قذَف بخزان وقوده الاحتياطي على البوينغ ليفقدها التوازن، و كانت الطائرتان فوق مدينة العرائش، لكنه أخطأ هدفه. توجَه عندئذ باللاسلكي مخاطباً رجاله و قال لهم: " اني أضحي بنفسي من أجل الوطن". و انقضَ على البوينغ محاولا أن يقتلع مقودها، لكنه لم ينجح الاب الحاق الضرر بطائرته الحربية نفسها، ففي ذروة اضطرابه شغَل مقعده القاذف لينزل بالمظلَة شمال القنيطرة. فيما بعد بقليل قذف الملازم بوخلف بدوره خزان وقوده على البوينغ، لكن أخطأ الهدف أيضاً.
انقضاض انتحاري على طريقة الكاميكاز اليابانية كان بالامكان أن يُنهي كلَ شئ. غير أن "شهوة البقاء العارمة" سيطرت على الوافي قويرة مثله مثل معظم البشر، وشاء القدر للرائد، بدلا من أن ينهي حياته بإباء في جمال السماء المغربية، أن يختار الطريق الطويلة التي عرَضته لعذاب أليم، و موت محتَم.

يتبع..