بديل ـ الرباط

أعاد كتاب "الأمير المنبوذ" لصاحبه الأمير هشام، ذاكرة بعض المغاربة إلى كتاب آخر، هز عرش الحسن الثاني، بالقدر الذي لم تهزه كل الانقلابات التي شهدها عهده، حتى إن بعض المتتبعين اليوم يتساءلون: كيف سيتعامل محمد السادس مع كتاب "الأمير المنبوذ"؟

"صديقنا الملك" لصاحبه الصحفي الفرنسي جيل بيرو، كتاب قهر الحسن الثاني، لدرجة دفعته إلى إدانته مباشرة على التلفزة المغربية، وهو الذي لم يقهره لا جبروت عسكر ولا مناورات اشتراكيين ولا تقية إسلاميين، حتى قضى فوق كرسي العرش زهاء أربعين سنة من الحكم، لم تخل سنة واحدة منها من العواصف الاجتماعية والسياسية والعسكرية.

وإذ يعيد "بديل" نشر الكتاب على شكل حلقات مساء كل يوم فليس معنى هذا أنه يتبنى ما ورد فيه، وإنما غايته إطلاع زوراه، ممن فاتهم قراءة الكتاب، على الحديقة السرية لواحد من أكثر الملوك العلويين إثارة للجدل على طول تاريخ حكم هذه العائلة للمغرب.

في الجلسة التالية ذكر المدعي العام بن جلون الذي لم تجد جلسات عمله مع ديوري أن الأمريكيين في قاعدة القنيطرة حاكموا وأدانوا أحد أتباعهم لتواطئه في محاولة سرقة أسلحة، وأن اسم ديوري مسجل في ملف تلك القضية، سجل بذلك نقطة لصالحه، فهل يعقل أن يعمد الأمريكيون إلى اختلاف هذا الملف إرضاءً للمغاربة؟

عقَّب الدفاع، طالبا كشفا طبيا على أثار سوء معاملة ديوري رُفض الطلب، فخلع الشاب ثيابه، والذهول ينتاب الحاضرين، ليُري القضاة ندوب الجروح.

خيب المتهم التالي، الذي ذُكر أنه أدلى باعترافات كاملة، آمال المدعي العام، محمد بن مسعود بائع صحف بسيط وُهب صوتا جهيراً أعلن أنه رضي ممارسة لعبة الشرطة ليتخلص من التعذيب، وقد وُعد بأربعمائة درهم راتبا شهريا وإدخاله في سلك الشرطة، أُرسل في الطائرة إلى أغادير ومعه حقيبة ممتلئة بالأسلحة طُلب منه أن يضعها في المقر الإقليمي للاتحاد الوطني للقوى الشعبية، غير أنه وجد المقر مغلقا، فعاد إلى الرباط ومعه الحقيبة.
فجر عبد الرحيم بوعبيد حادثا عنيفا في الجلسة عندما رفضت المحكمة كشفا طبيا على عبد القادر عفيفي، الذي ذكر أنه أصيب برصاصة في رأسه أطلقها عليه أحد رجال الشرطة. فصاح المحامي:" الطرق المستخدمة من قبل الشرطة والنيابة العامة لا تختلف في شيء عن تلك التي كنا ضحاياها في العام 1952 تحت الحماية، عند اتهمنا نحن أيضا بالتآمر".

غير أن المحكمة قررت مع ذلك  بإدخال المتهم نعيم بوبكر إلى المستشفى، ومهنته خباز، وقد جرّ قدميه بصعوبة حتى قاعة المحكمة، وكشف للقضاة عن ساقيه الممتلئتين بالندوب، وكذلك عن الجروح والحروق التي أحدثها الكلس الحي في حوضه، غير أنها لم تقرر موافاتها بكشف عن أسباب سوء حالته الصحية.

صرخ المحامي بوعبيد باسم المحامين "وصلنا إلى حدّ نتساءل فيه إن كان باستطاعتنا تأمين الدفاع عن المتهمين".

خلال الاستماع إلى تلاوة الإفادات، كانت المهازل الواردة في تحقيقات الشرطة تنسي قليلا حكايات التعذيب المستمرة. في محضر رسمي ذكر أن النائب محمد الفرجاني كان حاضرا أثناء تفتيش منزله في أغادير بتاريخ 30 تموز، والواقع أنه أوقف في الدار البيضاء في 17 تموز ونقل إلى الرباط ولم يغادر السجن. كما أن المتهم عباس قباج نائب سوس أوقف في 27 تموز غير أن التقرير الرسمي ذكر أنه أوقف وحقق معه بتاريخ 23 تموز، كما أشار قباج إلى ان الاعترافات التي وقع عليها مدونة بالفرنسية، وهو يجهل تلك اللغة، لكنه أراد أن ينتهي من الاضطهاد والعنف.

صرح أمام القضاة:"عُذبت بطريقة ذكرتني بأحداث روما الوثنية والمعاملة التي فُرضت على العبيد والشهداء، لكننا نحن الآن شهداء القرن العشرين، تعرضت لضروب من التعذيب أمتنع عن وصفها إجلالا للمحكمة، عندما أوقفت زمن الحماية لم اعرف مثل هذه النذالة".

فيما يتعلق بصلب الموضوع تساءل قباج: لماذا يعمد الاتحاد الوطني للقوى الشعبية إلى سلوك المؤامرة بالرغم من أن سبل النجاح ممهدة أمامه كما بينت الانتخابات التشريعية، وهو مُقدمم على انتخابات محلية تشير جميع التوقعات إلى حظه السعيد فيها.
اعتقد المدعي العام أنه يستطيع الرد بعرض أسلحة( رشيشات وبنادق قصيرة ومسدسات، وقنابل مصنوعة يدوياً) أشار إليها وهي متراكمة على طاولة وثائق الإثبات: أليست هي البرهان المادي على المؤامرة؟ غير أن الدفاع كانت لديه بالضبط ملاحظات عديدة على الأسلحة: ذكر للمحكمة أن بياناً بتاريخ 18 تموز صادراً عن وزارة الإعلام أشار إلى"اكتشاف مستودع أسلحة هام جدا سواء من ناحية الكمية أو النوعية". في 19 تموز، صرح وزير الداخلية:" وجدت أسلحة لم أشاهدها . لكنها وفقا لما أعلنته لي الشرطة تتألف من رشيشات وأشياء مماثلة". غير أن التقارير الرسمية للشرطة تشير إلى أن جميع الأسلحة قد عُثر عليها بعد 18 تموز...هتف بوعبيد:" المكيدة واضحة، المؤامرة ليست ضد الملك ، وإنما هي ضد الاتحاد الوطني للقوى الشعبية، إنها مسرحية تثير السخرية".