بديل ــ الرباط

خلال أربع سنوات بالنسبة لبعضهم، وخمس سنوات بالنسبة لبعضهم الآخر، وضع هؤلاء المساكين في قبو المشفى تحت حراسة بوليسية، وقد قيدوا بالسلاسل إلى أسرتهم. لا تغير شراشف فرشاتهم وقمصان نومهم إلا كل أربعة أشهر، وقد وضع مسبار تغذية في أحد فتحتي أنف كل منهم، وهو مثبت يشكل دائم. ثلاث مرات في اليوم، يأتي أحد أفراد الشرطة السبعة المكلفين بالحراسة ويصب الطعام في المسبار. مُنعت زيارة الأطباء لهؤلاء الفتيان، ربما لعدم وجود أحد "الأغبياء" يركن في حالة صحية سيئة إلى وصف شرطة الحراسة للأغراض لإعطاء العلاجات. غير أن الأدوية الأكثر شيوعا هي زَرق الدولوزال والفنرغان واللارغاكتيل في خليط يهدئ هؤلاء المرضى؛ ويتم الحقن من قبل أحد أفراد الشرطة.

حاول أحد الأطباء الجدد المتمرنين الإقتراب من هؤلاء التعساء، فقُبض عليه وعُذب خلال شهرين في مفوضية درب مولاي شريف.

في كانون الثاني وآذار 1989، أنهى ثلاثة من هؤلاء الفتيان عقوبتهم، وخرجوا من هذه البيئة المماثلة لتلك المذكورة في رواية فرانكنشطاين. كانوا أقرب إلى أشباح هياكل عظيمة لا يتمكنون من الوقوف، ولا المضغ، كما ضعفت قدرتهم على الرؤية، وهو يشكون من اضطرابات نفسية معقدة.

في أيلول 1989 كلفت المنظمات الإنسانية المحامي دانييل فوغيه من نقابة محامي باريس، و الطبيبة الهولندية آن ماري رات بزيارة الفتيان الثلاثة الباقين في قبو المشفى، فلم يسمح لهما، وأعلنت الحكومة المغربية: "من الآن فصاعدا يُعد كل إجراء بشأن هؤلاء الموقوفين تدخلا في الشؤون الداخلية للمملكة".
خمس سنوات مضت. كل ما طلبوه حق قراءة الكتب والصحف.

أُنذر البرلمان الأوروبي دون انقطاع، وخاصة من قبل لجان النضال ضد القمع في المغرب، وكان المؤسسة السياسية الوحيدة التي أدانت قسوة السلطة المغربية.
في كانون الثاني 1990، أخرج الحسن الثاني الفتى مولاي طاهر الدريدي من حديقته السرية، لكن ليُنقل إلى سجن القنيطرة. بقي رفيقان في قبو المشفى مقيدين على الدوام بالسلاسل و المسبار في أنف كل منهماز وهما ما يزالان حتى كتابة هذه الأسطر في السجن.

انت والدة مولاي طاهر الدريدي، سيدة الدريدي، وهي مجاهدة في حزب الإستقلال، أيام الكفاح من أجل الإستقلال، تردد منذ سنوات:"خسرت ابنا، ولا أريد أخسر الآخر". رغم التهديدات، و إجراءات التخويف، و أربعة توقيفات متتابعة كافحت من أجل إنقاذ مولاي طاهر من الميتة التي قضت على أخيه بوبكر. ونجحت أخيرا. ولم تمض أيام وفي 20 شباط ، حتى حُملت إليها انبتها خديجة الطالبة في قسم الجغرافيا في جامعة مراكش، وهي تقطر دما بعد أن انهال عليها العميد بالضرب شخصيا، ثم سلمها إلى أفراد شرطة _ الحراسة الذين وزعهم ادريس البصري في جميع الكليات الجامعات. خرجت خديجة من بين أيديهم في حالة صحية مُنحت بموجبها تقريرا صحيا من مشفى مراكش لمدة ثلاثة اسابيع، بعد شهر، وفي 17 آذار، قضت الأم الشجاعة سيدة الدريدي نحبها.
إنها مشاهد عادية في الحياة اليومية لمغرب الحسن الثاني.
في ابتهال ذاتي أطلقه للعالم بمناسبة ذكرى ميلاده الستين كتب:"إنني سعيد لأنني فعلت كل ما أستطيع لأنشر السعادة حولي لم أخطئ تجاه أي شخص، ولم أسبب الّى لأي كانز أخيرا إنني سعيد لوجودي وسط شعبي "مثل سمكة في الماء" على حد قول ماو تسي تونغ.

يُتبع...