بديل ـ الرباط

الحقيقة أن الهزة الأولى لم تأت من مجموعة قدماء الجيش الفرنسي، إنما من الضباط الشبان الذين كان لهم من انقلاب القذافي، الذي اقتلع السلطة من يدي الملك العجوز إدريس الضعيفتين، قدوة. غير أن بدء الهزة، المثبت، يبقى محاطا بالغموض. ففي بداية العام 1970، قبل ثمانية عشر شهرا من الصخيرات، أشيع أن خمسين ضابطا طيارا أعدموا في قضية أحيطت بالكتمان الشديد. ذكرت الإشاعة أنها مؤامرة كشف عنها قائد القوى الجوية الجنرال نعميشي الذي كان أحد الأوائل الذين قتلوا على يد أبابو في الصخيرات. أدت إجراءات الردع إلى إقالة الجنرال إدريس بن عمارقائد اللواء الذي أراد إجراء محاكمة عسكرية للمتمردين. و غداة مذبحة الصخيرات، نشر الصحافي المصري هيكل، أنه خلال زيارة للرباط، في العام 1969، اقتيد ليلا، في سرية كبيرة، إلى اجتماع خفي شارك فيه بعض الضباط؛ و بعد أن استمع إليهم خلال ثلاث ساعات وعدهم بنسان أسمائهم ووجوههم.

ضربة الصخيرات نفسها لا تتوافق أبدا مع مجمل المتوقع من بن بركة. إذ ليس ثمة احتمال لوصول المعارضة إلى السلطة يبرز تدخلا عسكريا. لم يقرر المتآمرون القيام بانقلاب لحماية مصالحهم إنما بالعكس لتنظيف البلاد من فساد ما فتئت المعارضة تفضحه. كانوا دون شك يمينيين، و الدكتاتورية التي خططوا لإقامتها، في حال نجاحها، لن تفسح المجال حتى للإبقاء على الواجهة الديموقراطية لنظام الملك الحسن. لكن أي مغربي يميني أو يساري، شريطة أن يكون مستقيما، طاهر الذيل، يمكنه البقاء جامد الحس تجاه دوافعهم؟,
لذلك كانت لامبالاة الشعب باهرة، بكل معنى الكلمة. لم تخرج أية مظاهرة لتشجيع المتمردين، و لا أية بادرة فرح حتى و لا ارتياح عندما أعلن أن الملك ما يزال حيا. شهد المغاربة المأساة وهو يلازمون منازلهم. و أظهروا عدم اهتمامهم لتحولها في اتجاه أو آخر.

كانت قد انقضت عشر سنوات تماما منذ إعلان الحداد الوطني على موت الملك محمد الخامس، و شاركت الأمة بجميع فئاتها في حزن و مناحة حقيقية على فقده.
قبل سنة من الصخيرات و في 6 تموز 1970 صرح ابنه الحسن لجان دانييل، مدير مجلة نوفيل أوبسيرفاتور:"إنني متضامن مع الشعوب وليس مع الأنظمة. متضامن مع الملوك الذين ينجحون. إذا سقطت ملكية فهذا يعني انقضاء زمنها، أو أنها تستحق السقوط.

توقع الجميع منذ زمن طويل أحداث ليبيا، كما توقعوا من قبل سقوط الملك فاروق في مصر. إن حدث ذلك لي يوما، يعني أنني أستحقه".

يتبع ..