بديل ـ الرباط

أعاد كتاب "الأمير المنبوذ" لصاحبه الأمير هشام، ذاكرة بعض المغاربة إلى كتاب آخر، هز عرش الحسن الثاني، بالقدر الذي لم تهزه كل الانقلابات التي شهدها عهده، حتى إن بعض المتتبعين اليوم يتساءلون: كيف سيتعامل محمد السادس مع كتاب "الأمير المنبوذ"؟
صديقنا الملك" لصاحبه الصحفي الفرنسي جيل بيرو، كتاب قهر الحسن الثاني، لدرجة دفعته إلى إدانته مباشرة على التلفزة المغربية، وهو الذي لم يقهره لا جبروت عسكر ولا مناورات اشتراكيين ولا تقية إسلاميين، حتى قضى فوق كرسي العرش زهاء أربعين سنة من الحكم، لم تخل سنة واحدة منها من العواصف الاجتماعية والسياسية والعسكرية.

وإذ يعيد "بديل" نشر الكتاب على شكل حلقات مساء كل يوم فليس معنى هذا أنه يتبنى ما ورد فيه، وإنما غايته إطلاع زوراه، ممن فاتهم قراءة الكتاب، على الحديقة السرية لواحد من أكثر الملوك العلويين إثارة للجدل على طول تاريخ حكم هذه العائلة للمغرب.

كان مدبوح نزيها طاهر الذيل، سليل عائلة ميسورة، يتميز بالصرامة مع رزانة واتزان، يزدري الترف ويأبى الانسياق إلى منهج الفساد، وقد وُجد لدى مدبوح بعد موته مجموعة أغلفة كبيرة لم تُفض أختامها كُتب عليها" هدايا الملك"، تبين أنها تحوي مبالغ كبيرة من الأموال النقدية. لكن لم يكن كل الضباط الكبار الذين اتصل بهم بعد عودته من الولايات المتحدة يشاركونه في استقامته. فالعقيد شلوطي، المتميز بذكائه، استغل نفوذه عندما كان حاكما على وجدة، وحصل على مبالغ كبيرة من الأتاوات التي فرضها على منح جوازات السفر للعمال المهاجرين، وعريضة من الملاكين الذين استغلهم، واختلاس بعض أموالهم أنهت وظيفته الإدارية.

نشرت السلطة بعد حادثة الصخيرات قائمة طويلة بأملاك الضباط المتهمين، ورواتبهم لا تبرر بالتأكيد ثرواتهم. لقد أتبعوا المنهج العام، كما أن الحظوة الملكية قفزت بهم في سلم الرتب، وأنعمت عليهم بالثروة. وهدية الملك كدعوته لا ترفض، الخاملون وحدهم نجوا من النظام.

كتب عالم الاجتماع الأمريكي واتربوري محللا التصرفات والنتائج بشكل يدعو إلى الإعجاب، وقد أشار إلى "الطريقة الأكثر فأكثر كلبية، كي لا نقول المحقرة التي يعامل الملك فيها النخبة المدنية والعسكرية على السواء". حان الوقت على مشارف السبعينيات، حيث" لم يَعد من السهل، بالتأكيد، على النخبة أن تشارك في النظام وتحافظ في الوقت نفسه على كرامتها(...).

بدأ بعضهم يفكرون أن شروط ميثاقهم غير مقبولة، وأن ثمن كرامتهم منخفض جداً، وفي حال تأخرهم فإن واقع اعتبارهم جزءاً مستحوذاً في العقد يمكن أن يكلفهم ثمنا أفدح من إلغائه المباشر". وبما أن الملك يرفض أن ينظف إسطبلات الفساد، فسنفعل ذلك دونه أو رغما عنه".
يلزم هذه المؤامرة سيف. كان سيفها محمد عبابو.

في الخامسة والثلاثين من العمر، كان أبابو أصغر عقيد في الجيش المغربي، شبابه يكفي لتميزه عن باقي المساهمين في المؤامرة، فالجنرال حمو شقيق زوجة الحسن الثاني تزين صدره أوسمة فرنسية لم يحصل على مثلها أي ضابط مغربي آخر، بمن فيهم أفقير. مثله الجنرالات بوغرين، ومصطفى وحبيبي الذين شاركوا في معارك الحرب العالمية الثانية في إيطاليا وفرنسا، وألمانيا. ثم خدموا مدة طويلة في الهند الصينية وعادوا منها والجروح تقرح أجسامهم، والأوسمة تزين صدورهم. حتى العقيد شلواطي، المولود في العام 1925، خدم في الهند الصينية، عديدون بينهم تزوجوا من فرنسيات: وشكلوا في قلب الجيش المغرب نوعا من نادٍ، غدا مع تقدم العمر والحنين إلى سنوات الشباب، يذكرهم بالسهرات الطويلة وموائد الشراب في الشرق الأقصى، وسادة الماضي، وحكايات نادي الضباط السابقة.

محمد أبابو ينتمي إلى جيل أخر، قدواته هم الضباط الشبان الذين زعزعوا في الشرق ألوسط العروش المنهارة، وإذا أريد تحديد نموذج لهم، فهو، دون شك العقيد الليبي معمر القدافي الذي قلب عرش الملك إدريس المهتز، كان عبابو بعكس متقدميه الذين ينظرون إلى الجيش الأمريكي بعين المقاتل القديم المتقززة، يكن إعجابا كبيراً بسلاح البحرية الحديث(المارينز).

يُتبع....