بديل- الرباط

أعاد كتاب "الأمير المنبوذ" لصاحبه الأمير هشام، ذاكرة بعض المغاربة إلى كتاب آخر، هز عرش الحسن الثاني، بالقدر الذي لم تهزه كل الانقلابات التي شهدها عهده، حتى إن بعض المتتبعين اليوم يتساءلون: كيف سيتعامل محمد السادس مع كتاب "الأمير المنبوذ"؟

"صديقنا الملك" لصاحبه الصحفي الفرنسي جيل بيرو، كتاب قهر الحسن الثاني، لدرجة دفعته إلى إدانته مباشرة على التلفزة المغربية، وهو الذي لم يقهره لا جبروت عسكر ولا مناورات اشتراكيين ولا تقية إسلاميين، حتى قضى فوق كرسي العرش زهاء أربعين سنة من الحكم، لم تخل سنة واحدة منها من العواصف الاجتماعية والسياسية والعسكرية.

وإذ يعيد "بديل" نشر الكتاب على شكل حلقات مساء كل يوم فليس معنى هذا أنه يتبنى ما ورد فيه، وإنما غايته إطلاع زوراه، ممن فاتهم قراءة الكتاب، على الحديقة السرية لواحد من أكثر الملوك العلويين إثارة للجدل على طول تاريخ حكم هذه العائلة للمغرب.

لم يسبق لمعاون مدير عام الأمن الوطني أن عود مواطنيه على هده الصورة الفروسية، بعيدا عن الخوف والملامة . ولد أحمد الدليمي في العام 1931، في سيدي قاسم غرب البلاد، وبعد الدراسة في كلية مولاي يوسف في الرباط دخل المدرسة العسكرية في الدار البيضاء، وكان أول دُفعته. ساهم في قمع فتنة الريف وسحق جيش تحرير الجنوب، لكن موهبته الحقيقية تجلت في المهام البوليسية، في اليوم التالي من وصوله إلى باريس، كتبت صحيفة لوموند:"يرى خصومه السياسيون فيه أحيانا رجلا أكثر خطرا من أفقير، تقنيا في "التحقيقات الضاغطة" التي لا يتردد في تنفيذها بنفسه، مستمتعا بإجرائها، كما يقولون. هادئ، بل كثير الهدوء، لكنه ينفجر بغضبات مفاجئة مرعبة".يتابع الصحفي:"إنه الرجل الذي يضحي بنفسه إن أمره الملك، لكنه حضر على ما يبدو لينفي التهمة عن نفسه، ويغسل الشبهات التي تحوم حول الجنرال أفقير، بل وحول العرش أيضا، فبأية حجج وأي براهين سيتمكن من إثبات براءته".

الأمر يقتصر بالنسبة للحسن الثاني على كسب الوقت. لم يعتقد الملك أن الدعوى ستقام، ثم أمِل باستثناء أوفقير والدليمي منها.

كان يكرر بكياسة أن القضية ستسوى" بين ديغول وبينه". لكن ديغول، المغتاظ من الإهانة، لم يمد اليد، على مر جلسات الدعوى الأولى تبين أن أفقير والدليمي لن يفلتا من عقوبة شديدة. غير أن استسلام معاون مدير الأمن العام أدى إلى إيقاف المرافعات ومباشرة تحقيقات جديدة، وباللجوء المنهجي إلى جميع حيل الإجراءات تقرر تأجيل الدعوى الثانية إلى موعد بعيد، كتب واتربوري:"يتولد لدينا على الأغلب شعور بأن ليس لدى الملك إستراتيجية للمدى الطويل إلا الأمل في أن تستمر أساليبه على مدى القصير في كسب الوقت". هكذا كان الأمر في قضية بن بركة.

فرض الملك على الدليمي عقوبة توقيف مبدئي لمدة مئة وعشرين يوما لأنه انفك عن عمله دون إذن ، ورفَّعه إلى رتبة عقيد.

وصل الملك على الدليمي لباريس محاطا بثلاثة محامين مغاربة. الاثنان الأولان، أحمد هيوني وعبد القادر بن جلون كان على التوالي وزير الداخلية ووزير العدل، عند محاكمة مدبري"مؤامرة تموز 1963" أما المدافع الثالث فهو مجيد بن جلون كانا عندئذ مدعيا عاما، وقد طالب برأس المتهم الغائب بن بركة، حصل على تقرير العقوبة القصوى ضده. هكذا جند القصر الأعداء المختفي في القضية التي يفترض أن تعاقب قاتليه.

افتتحت الدعوى الثانية في 19 نيسان 1967. بين سير المحاكمة حتى في حال تعديل المجرمين المأجورين والمتهمين الثانويين المتأثرين بالتناسب الجديد لميزان القوى نتيجة لوصول الدليمي لمواقفهم السابقة لإعفائه من المسؤولية، فإن إدانة معاون مدير الأمن العام لا يتطرق إليها الشك؟
لكن الزمن قد مر، والملل فكك الطاقات، وفي قضية تعددت فيها الضحايا بشكل فريد، عمل الموت فيها عمله بضربات واضحة، فبعدا فيجون، الثرثار الكبير، المنتحر بعد زمن قصير من الحادثة الخطف، توفي ثلاثة محامين عن الحق المدني بين القضيتين.

كما أن ألبيرنو أحد المدافعين عن الدليمي كان ضحية حادث سير خطير، وكذلك المعاون الرئيسي للأستاذ فلوريو محامي سوشون، وفيما بعد فإن الملتجئين إلى المغرب، توفوا واحدهم إثر الآخر. صُفي الثلاثة الأولون من قبل أجهزة الأمن. باليس وحده كان سعيد الحظ في الوفاة على سريره. وأفقير والدليمي انتهيا بدورهما. وبعد زمن إلى المصير ذاته بشكل فظ.

صدر قرار الحكم في 5 حزيران 1967 وسط لا مبالاة شبه عامة: اندلع العدوان الإسرائيلي المفاجئ في ذلك النهار بالذات. أخلي سبيل الموقوفين الحاضرين في القفص، باستثناء لوبيز وشوسون الدين حكم عليهما، على التوالي بالسجن مع الأعمال الشاقة ثماني وست سنوات، وحكم غيابيا على أفقير والمجرمين الأربعة المأجورين الهاربين، والشتوكي الشبحي، بالسجن المؤبد مع الأشغال الشاقة.

حكم مبهم، غير منطقي تماما، إذا كان أفقير مذنبا، فالدليمي شريك له في جرمه أيضا، وبالعكس تبرئة الدليمي تفرغ إدانة أفقير من مضمونها، حُكم سياسي، فقد سبق التطرق كثيرا أثناء المرافعات إلى الجالية الفرنسية في المغرب التي يخشى أن تتعرض لأحداث انتقام وثأر تستتبع إدانة الدليمي. وبمعاقبة أفقير الغائب أنقدت العدالة الفرنسية المظاهر، وحفظت ماء الوجه، وبتبرئة الدليمي صانت مستقبل العلاقات الفرنسية-المغربية.

جرى للدليمي المبرأ استقبال حافل عند عودته إلى المغرب، وكافأه الحسن الثاني بتعيينه مديرا لمكتبه العسكري.

تلقى أفقير المدان تقدير ملكه أيضا"لولائه الثابت لشخصنا" ورُفع إلى رتبة جنرال.