بديل ـ الرباط

أعاد كتاب "الأمير المنبوذ" لصاحبه الأمير هشام، ذاكرة بعض المغاربة إلى كتاب آخر، هز عرش الحسن الثاني، بالقدر الذي لم تهزه كل الانقلابات التي شهدها عهده، حتى إن بعض المتتبعين اليوم يتساءلون: كيف سيتعامل محمد السادس مع كتاب "الأمير المنبوذ"؟

"صديقنا الملك" لصاحبه الصحفي الفرنسي جيل بيرو، كتاب قهر الحسن الثاني، لدرجة دفعته إلى إدانته مباشرة على التلفزة المغربية، وهو الذي لم يقهره لا جبروت عسكر ولا مناورات اشتراكيين ولا تقية إسلاميين، حتى قضى فوق كرسي العرش زهاء أربعين سنة من الحكم، لم تخل سنة واحدة منها من العواصف الاجتماعية والسياسية والعسكرية.

وإذ يعيد "بديل" نشر الكتاب على شكل حلقات مساء كل يوم فليس معنى هذا أنه يتبنى ما ورد فيه، وإنما غايته إطلاع زوراه، ممن فاتهم قراءة الكتاب، على الحديقة السرية لواحد من أكثر الملوك العلويين إثارة للجدل على طول تاريخ حكم هذه العائلة للمغرب.

نشرت مجلة الطليعة الناطقة باسم اتحاد العمال المغربي، في مقال افتتاحي لها:"يشكل التعذيب من الآن فصاعدا عاملا جديدا في الأحوال المغربية، بل من الأصح القول إنه منذ الآن العامل الحاسم في سلوك الأفراد والمنظمات(...). أيا كانت نهاية "المؤامرة" فإن هذا الغرض الجديد للتعذيب يُثقل بشدة على الحياة السياسية في البلاد".

في 17 آب 1963، عقد أحمد بهنيني، وزير العدل، مؤتمرا صحافيا أعلن فيه أن الفقيه البصري هو رأس المؤامرة التي نُسجت خيوطها منذ خريف 1961، وكان مقررا أن يبدأ تنفيذها يوم 20 تموز 1963 أي بعد أربعة أيام من بدء حملة الاعتقالات، كان الفقيه البصري يتوقع أن يتسلم لهذا الغرض من الجزائر كميات كبيرة من الأسلحة.

أما المهدي بن بركة فهو أمين الصندوق، وقد تلقى أموالا من جهات أجنبية.

لم يسأل أي صحافي أحمد بهنيني عن غرابة انقلاب يهدف إلى الإطاحة بالعرش بواسطة أسلحة تسلم من الجزائر في يوم تنفيذه.

مما يشكل على الأقل بعض صعوبات في التوزيع. بالمقابل، طُرحت أسئلة حول طرق التحقيق والاستنطاق في دوائر الشرطة.

أجاب الوزير وهو الرئيس السابق للمحكمة العليا،"لم أحضر التحقيقات التمهيدية، ولم أدخل مخافر الشرطة، لكنني استغرب كثيرا ما تذكرونه لي، لأنني أعرف طرائق الشرطة، وهي غير تلك التي تصفونها لي".

قبل أن يباشر بإجراءات الدعوى، حكم على بن بركة بالإعدام غيابيا، نص الحكم على أنه جزاء أسوأ خطأ سياسي ارتكبه في حياته: مساندة الجزائر، فالحدود بين الجزائر والمغرب رسمها المستعمر الفرنسي، وهي موضوع نزاع بين الطرفين، إذا كانت مسؤولية الأحداث التي تحولت إلى حرب الرمال" بقيت غامضة، فإن حق المغرب في المنطقة المتنازع عليها لا يرقى إليه الشك.

خلال حرب الجزائر، تقربت فرنسا من محمد الخامس مقترحة عليه إجراء تصحيحات في الحدود تناسبه لقاء" موقف واقعي واع" أي وقف المساعدات لجبهة التحرير الوطني، رفض الملك بإباء، بل أكثر من ذلك في 6 تموز 1961 وقع الحسن الثاني مع فرحات عباس، رئيس الحكومة الجزائرية المؤقتة اتفاقا يقضي بحق الجزائر في الوجود بكامل أراضيها. يتابع النص:"تعترف الحكومة المؤقتة لجمهورية الجزائر من جهتها بالقضية الإقليمية الناتجة عن ترسيم فرنسا للحدود بين البلدين بشكل كيفي. وستجد هذه القضية حلها في مفاوضات بين حكومة المملكة المغربية وحكومة الجزائر المستقلة". يجب على اللجنة المشتركة أن تحسم القضية" بروح الأخوة والوحدة المغربية" غير أن هذه اللجنة لم تعقد أي اجتماع.

كانت الاشتباكات الأولى غامضة الأسباب بضع عشرات من الرجال تقاتلوا من أجل كوخين وثلاث نخلات ترسم دائرة حول بئر.

جرت أحداث ثأر وانتقام أعقبها هجمات معاكسة، تضخم عدد القوات المشاركة في الاشتباكات، فكانت الحرب.

انكشف جيش الجزائر الفتي، المتمرس على حرب العصابات، أمام الوحدات المغربية المؤللة. عين أفقير قائدا للجبهة الشمالية، وأظهر براعته فيها. تدخلت منظمة الوحدة الإفريقية، وتوصلت إلى تسوية وافق عليها الطرفان.

استنفرت "حرب الرمال" الجماهير في البلدين، رغم نطاقها الضيق في ميدان القتال. وتبادلت اذاعتا المغرب والجزائر سيلا من الشتائم، سمع صوت بن بركة في هذا التناغم الهوميري، في تصريح قرئ من إذاعة القاهرة أدان بشدة الملكية الشريفة" التي تشن، بدافع من الامبريالية، حربا عدوانية ضد الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية". تحدث عن "خيانة حقيقة". وأكد ان الشعب المغربي لا يقبل أبد أن يقاتل أخاه الشعب الجزائري.

لم يُفهم هذا الموقف. الوطنية المغربية التي خنقها ذّل الحماية الفرنسية، توقدت أمام احتمال أي اقتطاع حدودي. والقادة السياسيون بمختلف اتجاهاتهم-بمن فيهم قيادة الحزب الشيوعي- كانوا يطالبون بعنف، سنة بعد أخرى، بعودة الصحراء الغربية وموريتانيا إلى حضن الوطن، لقد سقطت "حرب الرمال" مثل نقطة من حمض على جرح حي.
حكمت محكمة عسكرية، في لا مبالاة عامة، على بن بركة بالإعدام غيابيا بتهمة الخيانة العظمى.

عند عودة أفقير من الجبهة استعرض قوات الرباط، وهو واقف في عربة القيادة، بثياب القتال. وقف أعضاء الحكومة ليصفقوا له، لقد رفع إلى رتبة جنرال.