بديل ـ الرباط

أعاد كتاب "الأمير المنبوذ" لصاحبه الأمير هشام، ذاكرة بعض المغاربة إلى كتاب آخر، هز عرش الحسن الثاني، بالقدر الذي لم تهزه كل الانقلابات التي شهدها عهده، حتى إن بعض المتتبعين اليوم يتساءلون: كيف سيتعامل محمد السادس مع كتاب "الأمير المنبوذ"؟

"صديقنا الملك" لصاحبه الصحفي الفرنسي جيل بيرو، كتاب قهر الحسن الثاني، لدرجة دفعته إلى إدانته مباشرة على التلفزة المغربية، وهو الذي لم يقهره لا جبروت عسكر ولا مناورات اشتراكيين ولا تقية إسلاميين، حتى قضى فوق كرسي العرش زهاء أربعين سنة من الحكم، لم تخل سنة واحدة منها من العواصف الاجتماعية والسياسية والعسكرية.

وإذ يعيد "بديل" نشر الكتاب على شكل حلقات مساء كل يوم فليس معنى هذا أنه يتبنى ما ورد فيه، وإنما غايته إطلاع زوراه، ممن فاتهم قراءة الكتاب، على الحديقة السرية لواحد من أكثر الملوك العلويين إثارة للجدل على طول تاريخ حكم هذه العائلة للمغرب.

ورث مؤمن روح المقاومة عن أبيه، انتسب إلى حزب الاستقلال، واحتج على المظاهر السلبية منذ مطلع وصول البلاد إلى استقلالها. بدا له أن النظام الجديد الذي بدأ يترسخ يخالف مبادئ المقاومة ويخونها، دُعي للمثول أمام اللجنة التأديبية التي يرأسها بن بركة، فرأى أن اللهجة لم تختلف، والتهديد لا يخلو من الإرهاب، مما دفعه أن يغادر المغرب إلى فرنسا. أنهى دراسته ووضع نفسه تحت تصرف جبهة التحرير الوطني FLN الجزائرية. وعند العودة إلى المغرب بعد انتصار بن بيلاّ، كان مقتنعا أكثر من أي وقت آخر بضرورة الثورة.
كانت عائلته منذ العام 1955، تخبئ شيخ  العرب بعد هروبه من سجن القنيطرة، عندما عاد مؤمن الديوري إلى البلاد، كان الشيخ يعيش في خفاء المقاومة السرية، منذ تشتت جيش تحرير الجنوب، وقد حُكم عليه بالإعدام غيابيا، في العام 1958. كانت شرطة المملكة كلها تطارد من غدا بالنسبة للشعب مثيل روبن هود، لُقب في دوائر الشرطة" من يتعذر الاهتداء إليه"، لكن مؤمن الديوري اهتدى إليه، وكان يلتقي به، وتبين له وحدة أفكارهما.

تصالح مؤمن ديوري مع بن بركة خلال زيارة قام بها الأخير إلى أوروبا، ونظم في صيف 1962 في شقة استأجرها في الرباط لقاء بين الأمين العام التنفيذي للاتحاد الوطني للقوى الشعبية وشيخ العرب، لكنه لم يسفر عن نتيجة. المواقف متباعدة كثيرا بينهما، الأول مستمر في حلمه أو وهمه، بقدرته على تحويل الملك إلى الاتجاه السليم، والآخر يركز كل آماله على الصيغة الوحيدة التي يعرفها: ثورة مسلحة، مع مؤمن شكل طيف الجبهة المسلحة لجمهورية المغرب.

لم تترك لهما نظرتهما إلى النظام أي اختيار آخر. القوات المسلحة الملكية، كما يشير إليها اسمها تابعة لأمر الملك وتقديره وقد جعل أفقير، خصمه السابق زمن الحماية الفرنسية/ من مديرية الأمن العام شرطة سياسية قادرة على تحطيم كل معارضة حقيقية، وأنهى الدستور الممنوح من الملك إرتاج الجهاز. وهكذا أمكن للحسن الثاني أن يحكم المغرب كما لم يسبق لأي سلطان قبله.
بعكس مؤامرة"1960، المثيرة للسخرية، بدت مؤامرة 1963 تملك ظلا من الحقيقة. افترض أن الجبهة المسلحة لجمهورية المغرب تُحضر لقلب النظام، لكن ما هي هذه الجبهة؟ شيخ العرب، ومؤمن ديوري، والفقيه البصري ومغاويرهم الأشباح من المقاومين القدامى الذين لم يباشروا أي نشاط.

بدأ القمع الوحشي ينقض على هؤلاء، وتعداهم إلى الاتحاد الوطني للقوى الشعبية بكامله، بعد أن أقلق تزايد قوته القصر.
التزوير في الانتخابات لم يحل دون احتلاله ثمانية وعشرين مقعدا في الجمعية التأسيسية من أصل مئة وأربعة وأربعين خلال انتخابات شهر أيار. وقد غدا أحسن تنظيماً، وأكمل انغراسه وتجذره في المجتمع، وهو يهدد بالحصول على نتائج باهرة في الانتخابات البلدية و الإقليمية المتوقع إجرائها خلال شهر حزيران. أخّر القصر الموعد حتى نهاية حزيران، فخلال هذا الوقت سيتسنى لأفقير أن يوجه ضربته.

في 16 تموز جددت الشرطة ذكرى ضربة القوة الفرنسية في العام 1952للوطنيين المجتمعيين في دار نقابات العمال، فحاصرت قواتها مركز الاتحاد الوطني في الدار البيضاء، وأغلقت جميع الشوارع المحيطة به، في مقر المركز كان ينعقد اجتماع يضم أمانة السر الإدارية للحزب، وأمناء السر الإقليميين، وواحدا وعشرين نائبا. تمترس المجتمعون كيفما اتفق لهم وأغلقوا الأبواب، فاقتحم رجال أفقير المنافذ، وأوقفوا أكثر من مائة عضوا من بينهم عبد الرحيم بوعبيد، وزير الاقتصاد السابق في حكومة عبد الله إبراهيم، لكن سرعان ما أطلق سراحه بينما وجه الباقون نحو مراكز التحقيق. نجا بن بركة من هذه الحملة: كان غائبا في القاهرة.
في الوقت نفسه امتدت حملة القمع فشملت جميع أنحاء البلاد، تم اعتقال أكثر من خمسة آلاف شخص مما شل كل نشاط للاتحاد الوطني للقوى الشعبية.

توافقت نتائج الانتخابات المحلية مع رغبات القصر.

في الرباط، وفي مكان غير بعيد عن القصر الملكي، ضمن حي سكني، ووسط حدائق واسعة مغروسة بأشجار البرتقال تقع دار المُقري، إحدى روائع الفن المعماري المغربي. كان مالكها سيدي المقري، الوزير السابق، الذي توفي في عهد محمد الخامس الأرجاء تنعقد فوق فوق أعمدتها الورفيرية قباب زخرفت بعناية فائقة. كانت التشبيكات الزهرية تتوزع ضمن تخريمات منمنمة من الجبصين.
استقبلت هذه الدار في الاحتفالات الرسمية التي كانت تجرى فيها ثلاثة من أواخر السلاطين، وجميع المقيمين الفرنسيين العامين. إلى هذه الدار اقتيد مؤمن ديوري.

يتبع...