بديل ـ الرباط

أعاد كتاب "الأمير المنبوذ" لصاحبه الأمير هشام، ذاكرة بعض المغاربة إلى كتاب آخر، هز عرش الحسن الثاني، بالقدر الذي لم تهزه كل الانقلابات التي شهدها عهده، حتى إن بعض المتتبعين اليوم يتساءلون: كيف سيتعامل محمد السادس مع كتاب "الأمير المنبوذ"؟

"صديقنا الملك" لصاحبه الصحفي الفرنسي جيل بيرو، كتاب قهر الحسن الثاني، لدرجة دفعته إلى إدانته مباشرة على التلفزة المغربية، وهو الذي لم يقهره لا جبروت عسكر ولا مناورات اشتراكيين ولا تقية إسلاميين، حتى قضى فوق كرسي العرش زهاء أربعين سنة من الحكم، لم تخل سنة واحدة منها من العواصف الاجتماعية والسياسية والعسكرية.

وإذ يعيد "بديل" نشر الكتاب على شكل حلقات مساء كل يوم فليس معنى هذا أنه يتبنى ما ورد فيه، وإنما غايته إطلاع زوراه، ممن فاتهم قراءة الكتاب، على الحديقة السرية لواحد من أكثر الملوك العلويين إثارة للجدل على طول تاريخ حكم هذه العائلة للمغرب.

كان تاريخ 16 تشرين الثاني من العام 1955 يوم انتصار، بعد أن أنحنى يطبع القبلة البرتوكولية المضاعفة على يد السلطان ظاهرا وراحة. سحبها هذا – دلالة الحظوة- وضمه معانقا. الفقيه البصري هو المقاومة.

خلال سنوات، وبمناسبة ذكرى 20 آب، كان يلي محمد الخامس في الكلام احتفالا بـ"ثورة الملك والشعب" فهو الناطق باسم الشعب.

لم يكن رئيس المقاومة لكنه رمزها. عمل مع البرجوازيين الوطنيين الذين سعوا إلى تأمين الأسلحة والدعم الخارجي، كما عمل مع فلاحي الأرياف والمجموعات المدنية الذين انتقلوا إلى الإجراءات العنيفة. وإذا كان قد سمي الفقيه- ونادرا ما اُغفل لصق هذه الصفة به- فذلك لأن أحياء الصفيح لم تعتد على استقبال شخصيات مثقفة: لذا خلع عليه رفاق الكفاح الخشنون الأشداء هذا اللقب فاشتهر به.

بعد عدة أشهر من خلع السلطان، أسس المنظمة السرية، كان في السابعة والعشرين من العمر، صفى أتباعه المتعاونين المغاربة مع الحماية الفرنسية، ثم هاجموا الفرنسيين. في تشرين الأول من العام 1954 ألقت الشرطة القبض عليه. كان متوقعا أن يحكم عليه بالإعدام، لكنه نظم هروبا جماعيا من سجن القنيطرة المركزي في أيلول1955، وتمكن من الفرار مع سبعة وثلاثين مقاوما، قُتل منهم اثنان أثناء العملية. استأنف بعد ذلك الكفاح حتى استقلال البلاد. كان عضوا في حزب الاستقلال وضم إليه العديد من المقاومين، أقام معهم على الدوام علاقات متميزة. التحق بن بركة في الاتحاد الوطني للقوى الشعبية، عقب المؤامرة المزعومة على ولي العهد، دخل السجن مرة ثانية، وقد صرح فيما بعد أن قاضي التحقيق لن يصدق شيء من نفي التهمة ما دامت صحافة النظام تشير إليه بأنه الذراع المسلح في المؤامرة، وسيأمر بالحد من نشاطه لبعض الوقت على الأقل قبل أن يُضرب، حاول القصر كعادته، أن يشتريه.

في العام 1958، وخلال مقابلة سرية، أعلن له الأمير الحسن، أن الملك قرر تسميته خليفة على الجنوب، وهو منصب يخصص عادة لشقيق الملك، وقد أكد له الحسن أته أراد إعلامه مسبقا لأن أي رفض لتسمية ملكية"يعد تمردا، والمتمرد يعاقب بالإعدام". وهو رجل متوسط، ذو وجه مستدير يتوسطه شاربان أسودان، مظهره الهادئ يخفي إرادة صلبة. إنه الرجل الذي يسير في الشوط حتى النهاية دائما، أين كان الثمن الواجب دفعه. هو يعلم أن آمال المقاومة قد خُذلت؟ ولا يؤمن بعكس صديقه بن بركة، بإمكانية تطوير العرش بعد أن تربع الحسن الثاني علية، وخيار القوة وحدة يحسم بين العاهل والشعب. وهو مستعد لأن يُعد له الوسائل وليتحمل مسؤولية المجازفة.

هو نموذج فريد في الطبقة السياسية المغربي، فالحسن الثاني، بن بركة، بوعبيد- وغيرهم كثيرون- نشئوا وتربوا في أحضان الثقافة الفرنسية، وتجمع بينهم ذكريات دراسية واحدة، أما الفقيه البصري فمن نشأة مغايرة، بل إنه لا يتكلم الفرنسية. ولد في دمناط في عائلة مزارعين متوسطي الحال. أكمل دراسته الجامعية في الجامعة بن يوسف في مدينة مراكش.

إن لمعظم قادة الاتحاد الوطني للقوى الشعبية مراجعهم ومسانديهم في فرنسا، وصداقتهم مع الأوساط اليسارية في تلك البلاد، أما الفقيه فعينيه على القاهرة ودمشق وبغداد، رأى سقوط الملكية المصرية المتعفنة وتأسيس عبد الناصر لجمهورية اشتراكية وشهد الانقلابات المتتالية في الشرق الأوسط، وتابع انتصار بن بيلا في مدينة الجزائر، فكيف لا يؤمن أن عرش المغرب يهتزُ؟

وُلد مؤمن ديوري في القنيطرة في العام 1938 وله من يتشبه به، كان والده من الرعيل الوطني الأول، أوقف خلال التظاهرات التي أعقبت الظهير البربري، وقضى سنتين في سجن مؤمن ستات(اختار منه رمزيا اسم ابنه). وأوقف مرة ثانية عشية خلع السلطان ونقل إلى مراكش، قام ابن الغلاوي بتعذيبه ليجبره على الولاء لبن عرفة، كان ديوري مصاب بداء السكري، وقد نقل وهو يحتضر إلى المشفى حيث توفي.

رفضت السلطات الفرنسية أن يدفن في القنيطرة، فدفن في فاس. وبعد عدة أشهر رأت العائلة أن تذهب لزيارة قبره. ووجب أن تحصل أرملته على تصريح لأنها، وهي مديرة صحيفة ذات أفكار غير مرضى عنها، لا تتمتع بحق التنقل. رفضت وهي المرتابة الحذرة أن يصعد ولداها بصحبتهما في السيارة العائلية، فاستقل مؤمن عربة ركاب. صدمت شاحنة مسرعة انحرفت بسرعة سيارة آل ديوري فقُتلت الأم، و الابن البكر، وأختاً على الفور، أخلت سيارة شرطة بسرعة ومهارة سائق الشاحنة من المكان، الطرقات في المغرب خطرة.

يتبع...