بديل ـ الرباط

أعاد كتاب "الأمير المنبوذ" لصاحبه الأمير هشام، ذاكرة بعض المغاربة إلى كتاب آخر، هز عرش الحسن الثاني، بالقدر الذي لم تهزه كل الانقلابات التي شهدها عهده، حتى إن بعض المتتبعين اليوم يتساءلون: كيف سيتعامل محمد السادس مع كتاب "الأمير المنبوذ"؟

"صديقنا الملك" لصاحبه الصحفي الفرنسي جيل بيرو، كتاب قهر الحسن الثاني، لدرجة دفعته إلى إدانته مباشرة على التلفزة المغربية، وهو الذي لم يقهره لا جبروت عسكر ولا مناورات اشتراكيين ولا تقية إسلاميين، حتى قضى فوق كرسي العرش زهاء أربعين سنة من الحكم، لم تخل سنة واحدة منها من العواصف الاجتماعية والسياسية والعسكرية.

وإذ يعيد "بديل" نشر الكتاب على شكل حلقات مساء كل يوم فليس معنى هذا أنه يتبنى ما ورد فيه، وإنما غايته إطلاع زوراه، ممن فاتهم قراءة الكتاب، على الحديقة السرية لواحد من أكثر الملوك العلويين إثارة للجدل على طول تاريخ حكم هذه العائلة للمغرب.

من باريس وجه الحسن الثاني برقية" ود عميق وإخلاص صادق" كتب فيها:"واجبنا متابعة العمل الذي بدأه ملكنا في تشييد صرح مغرب حر، ديمقراطي مزدهر، وفقا لمثل جلالته الأعلى وللطموحات الشعبية".

لكن كان عليه أن ينتظر أكثر من عام قبل أن يعود إلى البلاد. تم تحديد انعقاد المؤتمر الثاني للاتحاد الوطني للقوى الشعبية في حزيران 1962. عاد بن بركة في شهر آيار. وكانت عودته انتصارا غير متوقع، على مستوى شعبية منقطعة النظير لم تخطر ببال القصر أو الطبقة السياسية. كانت طبعة جديدة من الاستقبال الذي جرى للملك قبل ستة أعوام.

كان ذلك في 16 آيار 1962، وهو يوم عيد الكبير. شق الموكب طريقه بصعوبة بالغة بين الجماهير المحتشدة من المطار حتى الرباط، والهتافات تعلو تحيي" الاتحاد الوطني للقوى الشعبية". في الأيام التالية تتابعت الوفود إلى منزل بن بركة من الفجر حتى هبوط الليل، حتى اضطر إلى تنظيم السير في خط وحيد الاتجاه:الدخول من الشارع والخروج من الحديقة.

لم يكن الوضع السياسي محمسا مطلقا، بعكس الاستفتاء الشعبي العام، واستطاعت الحكومة التي شكلها الحسن الثاني أن تدق إسفينا بين الاتحاد الوطني للقوى الشعبية، واتحاد العمال المغربي المركز الرئيسي للنقابات.

بدت القطيعة في الأفق، أعاد بن بركة إلى جيبه التقرير الهجومي الذي كان قد أعده، وحاول جاهدا أن يسد الثغرات، لكنه أكد في خطاب له تفوق الحزب، المعبر الوحيد عن الحقيقة الثورية، على بقية القوى الاجتماعية في المغرب. في نهاية الأمر حصلت قطيعة بين الحزب واتحاد النقابات مما عُد مكسبا كبيرا للعرش.

كان الدستور القضية الكبرى التي تهيأ الحسن الثاني للإنعام بها على شعبه.

كان والده قد وعد بتاريخ 18 تشرين الثاني 1956، بمناسبة عيد العرش، بانتخاب جمعية تأسيسية، فطالب جميع القوى السياسية في البلاد، وحتى حزب الاستقلال في طليعتها، بوجوب إنجاز الوعد، مما يعني تخلي الملكية عن سلطتها المطلقة: لاشك أن الجمعية التأسيسية ستحد من امتيازات العرش وتقليصها، غير أن سبع سنوات من مناورات بارعة قد أتاحت تجنب التهديد. والدستور لن يُعده البرلمانيون الذين سينتخبهم الشعب المغربي، بل مستشارو الملك والقانونيون الفرنسيون وفي طليعتهم الأستاذ الشهير موريس دوفرجيه.

بفضل نص فُصل على القياس، غدت الملكية دستورية، مع بقائها تتمتع بالحق الإلهي، تريد أن تخلع عليها صفة الديمقراطية مع تأمين السلطة المطلقة للملك، أمير المؤمنين القائد الأعلى للجيوش، يسمي الحكومة وهي مسؤولة أمامه فقط.

القضاء يخضع له أيضا، وفقا لما ورد في قرار للمحكمة العليا:"السلطة القضائية تشكل جزءا من مجموع المهام التي ينهض بها في الدرجة الأولى أمير المؤمنين".

كما أن المادة 35 المستوحاة من الدستور الديغولي تتيح له إعلان حالة الطوارئ، وتسلم كامل السلطات التشريعية والتنفيذية.
استمر الاتحاد الوطني للقوى الشعبية من مطالبته بجمعية دستورية.
توسط بن بركة ببراغماتيته المعتادة، وحاول المناورة. كان ما يزال يؤمن باقتران الملكية والاشتراكية. يؤمن بإتحاد عنصريهما

وعملهما المشترك بصدق، بينما انضم عديد من السياسيين الآخرين إلى العرش متخلين عن قناعات شبابهم. حتى النهاية، حتى موته، سيحيى بن بركة مقتنعا بإمكان إيجاد تسوية، المستفيد الأكبر منها الشعب المغربي، لا أحد يعلم السبب الذي يدفعه إلى التمسك بهذا الأمل الأعمى، الذي ما فتئت الأحداث تكذبه، لعله يعود إلى أن الحسن الثاني كان سابقا تلميذه النبيه، المعجب به.

يُرد الملك أية تسوية، حتى الجمعية التأسيسية الرزينة التي وعد بن بركة بتعقلها، رأى فيها مغالاة. سيكون الدستور منحة ملكية أو أنه لن يكون.

وفي تلميح واضح إلى أستاذه السابق في الرياضيات، قال الحسن الثاني لجان لاكتور:"لن أسمح بوضع الملكية في معادلة، يلزمني موافقة الإيمان، لا موافقة السفسطائيين".
قرر تنظيم استفاء عام في 7 كانون الأول 1962 للموافقة على الدستور.

يتبع...