بديل ـ الرباط

أعاد كتاب "الأمير المنبوذ" لصاحبه الأمير هشام، ذاكرة بعض المغاربة إلى كتاب آخر، هز عرش الحسن الثاني، بالقدر الذي لم تهزه كل الانقلابات التي شهدها عهده، حتى إن بعض المتتبعين اليوم يتساءلون: كيف سيتعامل محمد السادس مع كتاب "الأمير المنبوذ"؟
"صديقنا الملك" لصاحبه الصحفي الفرنسي جيل بيرو، كتاب قهر الحسن الثاني، لدرجة دفعته إلى إدانته مباشرة على التلفزة المغربية، وهو الذي لم يقهره لا جبروت عسكر ولا مناورات اشتراكيين ولا تقية إسلاميين، حتى قضى فوق كرسي العرش زهاء أربعين سنة من الحكم، لم تخل سنة واحدة منها من العواصف الاجتماعية والسياسية والعسكرية.

وإذ يعيد "بديل" نشر الكتاب على شكل حلقات مساء كل يوم فليس معنى هذا أنه يتبنى ما ورد فيه، وإنما غايته إطلاع زوراه، ممن فاتهم قراءة الكتاب، على الحديقة السرية لواحد من أكثر الملوك العلويين إثارة للجدل على طول تاريخ حكم هذه العائلة للمغرب.

تحطم الاندفاع الشعبي المؤيد لحزب الاستقلال سريعا، فغدا حزبا عاديا بسيطا تنافسه الأحزاب الأخرى التي أثيرت ضده، سجل العرش الضعف الذي أصاب هذا الحزب، فتظاهر برضاه عن الحكومة التي يرأسها عبد الله إبراهيم رغم انشقاقه، ليتمكن من نسفها في الوقت المناسب، وخلق لها العديد من الصعوبات( لم يكن أقلها فتنة الريف). أما UNFP الوليد، الذي حظي بتأييد شعبي مقلق، فقد استحق معاملة سجلت تحولاً في تاريخ المغرب المستقل الحديث، فمن يد الملك المخملية انتقلت الممارسة إلى قفاز ولي العهد الحديدي.

في كانون الأول 1959، بعد ثلاثة أشهر من التأسيس الرسمي لـ UNFP، ألقى اثنان من أشهر أعضائه في السجن، الفقيه البصري وعبد الرحمن اليوسفي، وهما على التوالي مدير ورئيس تحرير صحيفة الحزب اليومية"التحرير" لذكر"مسؤولية الحكومة أمام الشعب" في مقال ورد في الصحيفة، مما اعتبر إساءة للملك الذي تُسأل الحكومة أمامه فقط.

شعر بن بركة بهبوب ريح سيئة، فحزم حقائبه، وسافر إلى ألمانيا، حيث يعمل أخوه عبد القادر مستشارا تجاريا في سفارة المغرب في بون.

كان على حق فبعد شهرين، في شباط 1960، أعلنت إدارة الأمن العام اكتشاف مؤامرة لاغتيال ولي العهد، هولت صحافة النظام النبأ قدر استطاعتها، وأشارت إلى الاتجاه الذي يجب البحت فيه عن المسؤولين: المقاومين القدامى(ومنهم الفقيه البصري وعبد الرحمن اليوسفي) وإدارةUNFP. ورد في الصحيفة الأسبوعية "المنائر" التي يديرها أحمد رضا غديرا، المقرب من الحسن:"يوم السبت الفائت 13 شباط، في ساعة متأخرة مساء، حضر عضو بارز في المقاومة أو من جيش التحرير إلى قيادة الدرك الملكية، وأدلى باعترافات رهيبة عن مؤامرة دُبرت بعناية، وحُبكت وشُكلت. وهي تهدف إلى إغتيال صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن. أشير إلى مكان ويوم وساعة الاغتيال. وقد أكد صاحب الاعتراف أقواله أمام وزير العدل شخصيا بحضور رئيس القضاء الأعلى على ما يبدو. تبع ذلك عدة توقيفات".

تابعت الصحيفة بهذه الخاتمة المقلقة:"نطالب بتحديد جميع المسؤوليات، وعدم التوقف على مستوى المنفذين، إذا كانت المؤامرة قد وُجدت، وإذا كانت خطة التنفيذ قد أُعدت، فيجب وجود رؤوس لحبكها، على التحقيق أن يصل إذا إلى الينابيع، ولا يكفي الاقتصار على قطع ذنب الأفعى".

في 23 شباط أكدت صحيفة الأيام آن الفقيه البصري أعد المؤامرة من زنزانة سجنه.

في 24 آذار، زادت صحيفة الناس من حملتها وأضافت:" تأكد حاليا أن المهدي بن بركة هو الدماغ المخطط للمؤامرة، والبصري هو من كُلف بتنفيذها...هناك آخرون آخرون اشتركوا في هذه القضية، وسيأتي دورهم عاجلا، وقد علمنا أن النيابة العامة تمتلك أدلة كافية، وأصدرت مذكرة توقيف ضد المهدي بن بركة، وهو موجود حاليا في باريس. فهل ستقوم الحكومة بواجبها طالبة من السلطات الفرنسية توقيفه؟".

لا توجد مذكرة توقيف ولا دعوى، لقد عفا الملك عن جميع الموقوفين، مما يعد تسامحا كبيراً منه، إن صح أنهم كانوا يحضرون لاغتيال ابنه. لكن توقيف العشرات، ومئات التفتيشيات الدقيقة لعبت دور الزجر بالتخويف. لقد دخل المغرب عصر حكومة التآمر.

في شهر أيار أقيلت حكومة عبد الله إبراهيم ، فعَدا عن حملة قمع الريف التي جرت من قبل قوات لا سلطة لتلك الحكومة عليها، فقد أُُلزمت بحل الحزب الشيوعي، كما فرض عليها عار توقيف أصدقائها السياسيين.

قرعت عملية الممسحة أجراس الحزن على جيش التحرير، وانضم حزب الاستقلال إلى صف الموالين، تلقى الاتحاد الوطني للقوى الشعبية طلقة الإنذار. أعلن ملك البلاد أنه قرر القيام بمهام رئيس الحكومة والعهدة بسلطاته إلى ولي العهد.
سُمي أفقير رئيسا لجهاز الأمن العام.

مات الملك، كان يشكو من انحراف في الوتيرة الأنفية تزعجه قليلا، خاصة عند السفر بالطائرة. اقترح عليه جراح سويسري المعالجة الجراحية  فاعترض أطباء الملك ومعظمهم فرنسيون، لكن المداخلة الجراحية تمت. لم يستعد الملك وعيه، هبوط مفاجئ في الضغط، تبعه توقف القلب، وفشلت جميع محاولات الإنعاش ، مكان ذلك يوم 26 شباط 1961.

كان ألم الشعب على قدر أفراحه قبل ذلك بخمس سنوات عند العودة من المنفى. جمع محمد الخامس في شخصه هيبة الملك والمودة التي يحاط بها المظلوم.

ذُرفت عليه الدموع مكافحا من أجل الاستقلال أكثر منه ملكا. والسنوات الخمس الأخيرة من سلطته المستردة لم تمحُ ذل ثمانية وعشرين عاماً تحت الحماية، سيبقى محمد الخامس بالنسبة لشعبه محرر المغرب.

يتبع...