بدل ـ الرباط

أعاد كتاب "الأمير المنبوذ" لصاحبه الأمير هشام، ذاكرة بعض المغاربة إلى كتاب آخر، هز عرش الحسن الثاني، بالقدر الذي لم تهزه كل الانقلابات التي شهدها عهده، حتى إن بعض المتتبعين اليوم يتساءلون: كيف سيتعامل محمد السادس مع كتاب "الأمير المنبوذ"؟
"صديقنا الملك" لصاحبه الصحفي الفرنسي جيل بيرو، كتاب قهر الحسن الثاني، لدرجة دفعته إلى إدانته مباشرة على التلفزة المغربية، وهو الذي لم يقهره لا جبروت عسكر ولا مناورات اشتراكيين ولا تقية إسلاميين، حتى قضى فوق كرسي العرش زهاء أربعين سنة من الحكم، لم تخل سنة واحدة منها من العواصف الاجتماعية والسياسية والعسكرية.
وإذ يعيد "بديل" نشر الكتاب على شكل حلقات مساء كل يوم فليس معنى هذا أنه يتبنى ما ورد فيه، وإنما غايته إطلاع زوراه، ممن فاتهم قراءة الكتاب، على الحديقة السرية لواحد من أكثر الملوك العلويين إثارة للجدل على طول تاريخ حكم هذه العائلة للمغرب.

كان مسدي أحد كبار وجوه المقاومة بدأ الكفاح في الدار البيضاء، أوقفته الشرطة الفرنسية في العم 1954، ثم أدخلت السيبة.
التحق بالريف لينظم فيه وحدات المقاومة السرية. وفي تشرين الأول 1955،وبالاتفاق مع الجزائريين بوضياف و الميدحي، كان أول من أطلق مغاويره لمهاجمة المراكز الفرنسية.

غدت منطقة عملياته المنتشرة بين أكفول وبورد وتيزي أوزلي عل خارطة الأركان الفرنسية"مثلث الموت". 

وعندما نظم جيش التحرير قواته في كانون الثاني 1956 على ثلاث قيادات، عهد لمسدي بقيادة قوات الريف.

التقى به بن بركة خلال جولته في الشمال، لم يفكر مسدي أن ينضم إلى حزب الاستقلال، وطالب الحزب بدعم الجزائريين في معركتهم التحريرية، كانت الصفة الوحيدة المشتركة بينه وبين بن بركة طبع متوقد نشيط، وقد حجز في منطقة نفوذه الأمين العام التنفيذي لحزب الاستقلال عدة أيام، اقترح عليه بعدها بن بركة لقاء في فاس لحل سوء التفاهم، كان الوسيط بينهما تابع لعباس مسدي اسمه الحجاج، لكنه وسيط حسود. الأمر الأكيد هو العثور، بتاريخ 26 حزيران من العام 1956، على جثة مسدي مشوهة بشكل مرعب في الفيلا المستأجرة من قبل بن بركة.

كان الأمين العام التنفيذي، وفقا لما أدلى به أصدقاؤه ، ذا رغبة صادقة في الوصول إلى اتفاق مع المسدي، وقد كلف الحجاج بأن يأتيه به، وقد فعل الحجاج ما كُلف به والمسدس في يده، فحصلت بينهما مشاجرة في السيارة، انطلقت إثرها رصاصة أصابت مقتلا ً من مسدي.
بعد ذلك بتسع سنوات، وفي سيارة أخرى، وعلى طريق إيل- دي- فرانس يبدو أن القدر كان بالمرصاد ليتلعثم مرة أخرى...
ذكر شارل آندريه جوليان، صديق بن بركة، أنه لم يجسر أبدا على أن يثير هذه الانقلابات القاسية أمام صديقه"خشية تكديره".
غدا بن بركة رئيسا للجمعية الاستشارية التي عين السلطان جميع أعضائها. كانت حلاً انتقاليا بانتظار الجمعية التأسيسية التي وعد محمد بن يوسف علنا ورسميا بها.

اقترح بن بركة تسمية مولاي الحسن وليا للعهد، وتمت الموافقة على اقتراحه، كان هذا انفصاما كليا عن التقاليد المغربية العريقة، ومخالفة لمبادئ الإسلام الذي يمنع انتقال الحكم آليا بالوراثة البكورية. صحيح أن الحماية الفرنسية قد أفسدت قليلاً ذلك التقليد باستخدامه لتحتفظ لنفسها بحق اختيار الخليفة، ثم إن الحسن برهن منذ نشأته عن كفاءة جريئة مقاتلة لن تحتاج إلى إعلان مسبق بانتقال العرش إليه وراثيا.

من قمة منصة رئاسته الاستشارية، رأى بن بركة في الحال أن الملك محمد الخامس قد أدار ظهره للمستقبل الاشتراكي الذي يتصوره له، وراح يبحث في الماضي عن الوصفات القديمة المفيدة للقضاء على السائبة. كان الأمر بالنسبة لمحمد الخامس مثلما كان لجميع أسلافه، وهو تأمين سيطرته بتفريق خصومه.

فقد نجح بمساعدة حزب الاستقلال في إخضاع المقاومة. وغدا كل من يحمل السلاح من الآن فصاعدا تحت إمرته.
ووجب على حزب الاستقلال نفسه أن يقبل بحكومة ليست الأكثرية فيها من أعضائه. غير انه بقي في مواجهة العرش قوة خطرة، وانشقاق في صفوفه يضعفه.

وقد تفجرت الأزمة بشكل ذي مغزى، عند مشكلة تسميه وزير الدفاع والداخلية التي أراد الملك أن يحتفظ بحق اختيارهما مع تأسف العناصر الأكثر تصلبا في حزب الاستقلال.

في الواقع لم يحدث الانشقاق بتحريض القصر، الذي اكتفى بأن يلعب لعبته بالرصانة الفعالة المميزة لمحمد الخامس. فعلى مدى سنوات حكمه، لم يفرض العرش أي أمر، ولم يخلق علانية أيّة أزمة.

لم يسعى الملك مطلقا إلى اختيار القوة، بل انه يهرب من مثل هذا الاختيار، إنه يستخدم فعالية الخصم ذاتها لزعزعته. لم يحصل حزب الاستقلال على تماسكه إلا في صراعه مع الاستعمار. ومع الحصول على الاستقلال غدت وحدته متكلفة. أي عامل مشترك بين علال الفاسي المتمسك بالشريعة الإسلامية وبن بركة الماركسي؟ أية وحدة رأي بين صغار البورجوازيين الوطنيين الذين يشكلون معظم أنصار هذا الحزب وبين أعضائه الشبان الحالمين بثورة؟

انتهت المعارضة بين عقلاء الحزب الكهول وشبانه الثوريين أخيراً إلى الانشقاق، وفي 6 أيلول 1959 أسس بن بركة الاتحاد الوطني للقوى الشعبية جاذبا معه نخبة أعضاء حزب الاستقلال: شباب ، طلاب، والنقابيين- كل أولئك الذين يريدون أن يتطور الاستقلال إلى إصلاحات عميقة تعمُ البلاد. وانضم عبد الله إبراهيم رئيس الحكومة إلى (UNFP).