بدل ـ الرباط

أعاد كتاب "الأمير المنبوذ" لصاحبه الأمير هشام، ذاكرة بعض المغاربة إلى كتاب آخر، هز عرش الحسن الثاني، بالقدر الذي لم تهزه كل الانقلابات التي شهدها عهده، حتى إن بعض المتتبعين اليوم يتساءلون: كيف سيتعامل محمد السادس مع كتاب "الأمير المنبوذ"؟

"صديقنا الملك" لصاحبه الصحفي الفرنسي جيل بيرو، كتاب قهر الحسن الثاني، لدرجة دفعته إلى إدانته مباشرة على التلفزة المغربية، وهو الذي لم يقهره لا جبروت عسكر ولا مناورات اشتراكيين ولا تقية إسلاميين، حتى قضى فوق كرسي العرش زهاء أربعين سنة من الحكم، لم تخل سنة واحدة منها من العواصف الاجتماعية والسياسية والعسكرية.
وإذ يعيد "بديل" نشر الكتاب على شكل حلقات مساء كل يوم فليس معنى هذا أنه يتبنى ما ورد فيه، وإنما غايته إطلاع زوراه، ممن فاتهم قراءة الكتاب، على الحديقة السرية لواحد من أكثر الملوك العلويين إثارة للجدل على طول تاريخ حكم هذه العائلة للمغرب.

في العام 1951 ألزم جوان بنبركة بإقامة جبرية في الجنوب، حيث بقي حتى عام 1953، ثم نقل إلى جبال الأطلس، وفي أيلول 1954(حصلت تونس على الحكم الذاتي، وبدأت باريس تخفف القيود على المغرب). رُفعت الإقامة الجبرية عنه، شارك في استشارات إكس لي بان التي افتتحت في 20آب 1955 (يوم الذكرى السنوية لخلع السلطان عن العرش) وأجرتها حكومة إدغار فور لحل الأزمة المغربية، كان اسم وزير الشؤون الخارجية الفرنسية أنطوان بياني، هو يمثل مجموعة أرباب العمل الكبرى، ويحرص على تأمين مصالحهم في المغرب وقد توصل إلى ذلك.
فيما بعد- وبزمن طويل- عمد بن بركة إلى انتقاد ذاتي لما وافق عليه في "إكس لي بان"، فما عاد به إلى بلاده لم يكن إلا تسوية عرجاء، وليس انتصارا، سواءا في الشكل ( الاستقلال ضمن الارتباط) أو في المضمون، الاستعمار تراجع عن الجبهة السياسية، لكنه حافظ على مواقعه الاقتصادية، ثم هل يجب  الاقتصار على المغرب وحده، بينما النار تشتعل في الجزائر؟ ألم يُضَح بالتضامن المغربي، ليقتصر على منفعة مراكشية وطنية جزئية؟
في تلك الفترة لم يتطرق الشك إلى نفسه، فهو ماركسي في زمن سادة فيه المبادئ الماركسية: الإصلاح الزراعي، تأميم وسائل الإنتاج الصناعي، التخطيط الدقيق للاقتصاد، وكل ذلك بالطبع تحت الاشراف الديمقراطي للجماهير الشعبية، وهو أيضا ملكي في سياسته إن لم يكن باقتناعه أيضا، فشعبية سيدي محمد الواسعة تشكل حيزا هاما من المعادلة المغربية.
قال عبد الرحيم بوعبيد وهو مناضل شاب آخر في حزب الاستقلال، للفرنسيين في إكس لي بان:"محمد بن يوسف يحشد المغرب، ولا يستطيعون التأثير عليه".
فبدلا من الاصطدام بالعرش مع المجازفة بالتحطم على مرتقاه، من الأفضل الاعتماد عليه، وتقوية قدرته من أجل إلزامه بالتطور، بالإجمال الاشتراكية بوساطة الملكية، أو على الأقل الاشتراكية مع بقاء الملكية.

قال جان لاكتور رأيا في ابن بركة مصوغاً بشكل مزحة ومعبرا عن مضمون عميق:"بن بركة هو لينين مضاف إليه إدغار فور:.
كما عبر عالم الاجتماع الأمريكيبن واتربوري، وهو اختصاصي شهير في الشؤون المغربية، عن الرأي ذاته، إنما بمزيد من الكلمات:" بركة ليس رجل اليسار الصلب العنيد الذي أشادت به صحف اليسار الفرنسية(...) كنا أنه ليس رجل اليسار المذهبي الجازم، بالرغم من أن أساليبه عندما تسنح الفرص، تقدمية، و تعابيره ماركسية نموذجية، ومفاهيمه السياسية متسلطة، لكنه يبرهن عن برغماتية متميزة للوصول إلى أهدافه". عن هذه البرغماتية انطلق في الواقع يقدم براهين وافرة. سيلزمان المقاومة بالتزام جاد الصواب، الأمير مولاي الحسن وبن بركة.

صمم بن بركة، وهو الأمين العام التنفيذي لحزب الاستقلال، أن يجعل منه الحزب الوحيد في المغرب، حزبا لا ينافس، يدعمه اتحاد العمال المغربي، النقابة القوية التي تضم نصف مليون عضو، مما يمكنه أن يقود القصر في طريق الاشتراكية.
ولتحقيق أهدافه نشر دعاته في طول البلاد وعرضها: موظفون نسبوا إلى الحزب، وأعضاء عاملون منصرفون لقيادة فروعه وإدارتها والدعاية فل في الأرياف ومناطق عديدة، بلا تمييز، فجميع الموظفين دعاة للاستقلال، يجب إخراس معارضيه، أما العصاة والأعداء الألداء فيجب إزاحتهم.

وقد باشر الأمين العام التنفيذي بالتطهير الحازم دون تأجيل أو تراجع.
وكما يمكن في كل مكان، تسريب عناصر مشبوهة الأغراض والنوايا إلى صفوف المقاومة.

كانت قوات الأمن العام الموضوعة تحت قيادة مولاي الحسن تعالج، عند الاقتضاء، المخالفات التي يحتمل أن تثير الرجال الشرفاء، وليس جميع الملاحقين أو المعاقبين من هذا الصنف. كان خطأ خلايا الهلال الأسود المدنية أنها في الأغلب ذات ميول شيوعية. كما لوحق آخرون لأنهم رفضوا التحالف مع العرش، أو بكل بساط لأنهم تمردوا على هيمنة حزب الاستقلال، آخيراً ضُحّى بجميع من فكروا بمتابعة الجهاد حتى استقلال الجزائر.

تشكلت لجنة برئاسة بن بركة لفصل الحنطة الجيدة وتخليصها من الزِان. وتُرك المصنفون زؤاناً إلى قتله الأمن العام، وأغلبهم من المقاومين القدامى أنفسهم. ثم حادثة عباس مسعدي. هذا المسعدي الذي سبب نقل رفاته، بعد سنتين فتنة الريف التي سحقها الأمير الحسن وأفقير.