بديل ـ الرباط

أعاد كتاب "الأمير المنبوذ" لصاحبه الأمير هشام، ذاكرة بعض المغاربة إلى كتاب آخر، هز عرش الحسن الثاني، بالقدر الذي لم تهزه كل الانقلابات التي شهدها عهده، حتى إن بعض المتتبعين اليوم يتساءلون: كيف سيتعامل محمد السادس مع كتاب "الأمير المنبوذ"؟
"صديقنا الملك" لصاحبه الصحفي الفرنسي جيل بيرو، كتاب قهر الحسن الثاني، لدرجة دفعته إلى إدانته مباشرة على التلفزة المغربية، وهو الذي لم يقهره لا جبروت عسكر ولا مناورات اشتراكيين ولا تقية إسلاميين، حتى قضى فوق كرسي العرش زهاء أربعين سنة من الحكم، لم تخل سنة واحدة منها من العواصف الاجتماعية والسياسية والعسكرية.

وإذ يعيد "بديل" نشر الكتاب على شكل حلقات مساء كل يوم فليس معنى هذا أنه يتبنى ما ورد فيه، وإنما غايته إطلاع زوراه، ممن فاتهم قراءة الكتاب، على الحديقة السرية لواحد من أكثر الملوك العلويين إثارة للجدل على طول تاريخ حكم هذه العائلة للمغرب.

 كان يوم 16 تشرين الثاني، المناسبة السعيدة للمغرب، يوما مفعما بالقلق لبن بركة، فقد كلفه الجنرال مريك، من إدارة الشؤون السياسية في المحمية، بتأمين الحماية الشخصية للسلطان. اجتهد بن بركة، وهو الأمين العام التنفيذي لحزب الاستقلال في السهر على كل شيء. وقد وصفه أخوه عبد القادر يثب من سيارته دون انقطاع، يراقب السطوح، ويوجه تنبيهاته إلى حرس حفظ النظام، لا تفارق عينه الدلاهاي السوداء التي تشق طريقها عبر الجماهير التي يخشى في كل لحظة أن يقذف متآمر من بين صفوفها قنبلة قاتلة، فالبلاد لا ينقصها منشقون متعاونون مع القمع الفرنسي وهم لا يأملون العيش بعد عودة سيدي محمد. كان إلى جانب الأب ابنه البكر مولاي الحسن، هو تلميذ الأستاذ بن بركة، خلال الأربعينيات في كلية القصر السلطانية.

هل لاحظ أفقير الذي أعطى لنفسه أهمية كبيرة وهو يجلس على جانب السائق، وهو يشير بذراعه إلى أفراد الأمن لإبعاد الجماهير التي تتزاحم متجاوزة الأرصفة؟ هذا غير مؤكد: المرافق العسكري للمندوبين الفرنسيين بتنكره المرتجل يبدو ضابطا مجهولاً من الحرس السود. منذ عام 1951 قال الجنرال جوان عن بن بركة:" إنه العدو رقم واحد". مع أن المهدي بن بركة إلى حد ما، مثل أفقير، نتاج خالص من الاستعمار الفرنسي، لكنه أجوده.

ولد في عام 1920 في الرباط، والده مقرئ في أحد المساجد ويؤمن نفقات نهايات الأشهر الصعبة بالمتاجرة بالشاي والسكر. بعد التخرج من الكُتاب بحفظ القرآن في التاسعة من العمر، لم يُقبل في المدرسة الابتدائية التي تحمل الاسم المعبر:"مدرسة أبناء الأعيان" إلا الأخ الأكبر للمهدي؛ فآل بن بركة ليسوا من الأعيان، ويُعد قبول ابنهم البكر في تلك المدرسة مُنة يحسدون عليها، كان المهدي يرافق أخاه كل صباح، ويجلس على الرصيف كل صباح حتى موعد انصراف التلاميذ، مما أثار شفقة المعلمة الفرنسية، فأدخلته إلى الصف وأجلسته في المقعد الأخير، ولم تمض ستة أشهر حتى غدا في المقعد الأول، مارس بن بركة الدرس على نسق ممارسة أفقير للحرب: باستبسال وبراعة.

تنبهت الحركة الوطنية لهذا التلميذ المتفوق فتكفلت بدراسته الثانوية، انتسب المهدي وهو في الثالثة عشر من العمر إلى معهد مولاي يوسف، وفي الوقت نفسه إلى حركة الاستقلال فكان أصغر الأعضاء فيها، وبقي الأصغر المتفوق في جميع مراحل حياته. وفي الصف الثاني المؤهل للبكالوريا الأولى بادرت المندوبية إلى مكافئته بمنحة تتيح له متابعة دراسته حتى الحصول على إجازة جامعية في الرياضيات، يحصل عليها في مدينة الجزائر العاصمة.

كما هُيئ له ما هو أهم من ذلك. كان الجنرال بُوايه دي لاتور الذي غدا بدوره مقيما عاما يعمل في العام 1937 في مكتب نوغس المقيم العام. تلقى في أحد الأيام زيارة مدير ثانوية سيدي يوسف، الذي قدمه له تلميذا موهوبا متفوقا يجب منحه فرصة لإبراز مواهبه.

فتحدت دي لاتور بشأنه مع نوغس، وهو خريج البوليتيكنيك في باريس، الذي تحمس للفكرة: ووعد بتهيئة الفرصة للشاب لقبوله في مسابقة الدخول إلى تلك المدرسة العالية، لكن نشوب الحرب العالمية الثانية حال دون تحقيق هذا المشروع. حاز المهدي على الإجازة في العلوم في فترة ندر فيها الطلاب الجامعيون في المغرب، وكانوا يفضلون دراسة الحقوق أو الآداب على الخوض في غمار الرياضيات القاسية. كانت رغبة المهدي الخفية أن يغدو تلميذا لآنشتاين...في نهاية 1942، وبعد نزول القوات الأمريكية على الساحل المغربي، استدعت الحركة الوطنية الشاب للعودة إلى البلاد، فتخلى عن تحضير شهادة التبرز واكتفى بالإجازة.

في عام 1955، كان في الخامسة والثلاثين من العمر، قصير القامة أسود الشعر، لأبيض البشرة فاحم العينين تحت حاجبين كثيفين، ذا حيوية متوقدة، وكثلة من نشاط ترهق العاملين معه، وتسكر محادثته، لُقب "بالدينامو" خطيب لامع، لا يحمس الجماهير بسحر العبارات الشعرية الوطنية، مثل علال الفاسي، بل يقنعهم بوضوح أفكاره وتماسكها.

مارس السياسة وهو في الثالثة عشرة من العمر، وفي العام 1944 كان أحد مؤسسي حزب الاستقلال والموقع الأصغر سنا على بيان طلب الاستقلال مما سبب له قضاء سنتين في السجن بتهمة" الاتفاق مع العدو".

عند الإفراج عنه ترأس وفداً من الصحافيين المغاربة وسافر إلى باريس حيث كانت هيئة الأمم المتحدة تعقد اجتماعاتها، وأجرى اتصالات عديدة مع المندوبين ليثير اهتمامهم بالقضية المغربية.