بديل ـ الرباط

قبل خمسة عشر عاما، وفي ليل 23 كانون الأول 1972، وبعد نهاية فترة الحداد التقليدي و مدتها أربعة أشهر وعشر أيام، أقلت حافلات صغيرة دون نوافذ فاطمة أوفقير وأولادها الستة- وأصغرهم عبد اللطيف "ابن المصالحة" في الثالثة من عمره، و ابنة العم عاشورا التي قررت مشاركتهم في مصيرهم. وصلت الحافلات في مساء اليوم التالي إلى تيزنيت، على بعد سبعمئة و خمسين كيلومترا إلى الجنوب من الرباط، حيث نزلت العائلة في استضافة القائد المحلي تلك الليلة. وتابعت السير في اليوم التالي على طريق ترابية مسافة مئتين و خمسين كيلومترا حتى واحة أقا شمال وادي درعة، حيث وُضعت عائلة أوفقير في منزل منعزل من اللبن بحراسة مفرزتي شرطة ومفرزتي قوى مساعدة.

مُنع المعتقلون من الخروج، لكنهم كانوا يمتلكون أمتعتهم الشخصية، يستمعون إلى الراديو، و يتلقون الكتب و الأدوية، و خاصة تلك المضادة لنوبات الصرع، التي تعاني منها مريم الصغيرة، تلك الأدوية و الكتب التي كان يسلمها الجد شنا بانتظام إلى مبعوث خاص.

بل أمكن لمليكة أن ترسل رسائل إلى صديقة طفولة في فرنسا. كانت الفتاتان متهورتين. ابنة الجنرال أوفقير الجموح، تلك التي كان يجد فيها نفسه، كتبت صراحة: "الصحراء حزينة جدا، حقا. فالنظام الذي هو نظامنا جدير بالمخابرات السرية". مقارنة طائشة في حينه. وأعلنت عن نيتها في أن تعود إلى المؤلفين الكلاسيكيين، أولئك الذين لم تترك لها حياتها المذهبة في الرباط فرصة لمراجعتهم. "إننا نشكل هنا كثلة ضد الظلم"، ثم هذه اللازمة المتكررة:"كل شيء يعود إلى موت بابا. أريد مهما كان الثمن أن أنتقم لأبي".

كانت العائلة تتلقى زيارات. الدليمي، الذي وصل إلى ذروة القوة و النفزذ، أكد لها أنه سيعمل جاهدا لتحريرها. آمر السجن العسكري في القنيطرة، الوفي لأوفقير، حضر عدة مرات لزياراتهم. سُرح بعد عدة أشهر لأنه عبر علنا عن تحفظاته حول الإجراءات المتخذة ضد أولاد الجنرال أوفقير.

في تشرين الثاني 1973، نُقلت العائلة إلى مكان قريب من أكدز، جنوب وارزازات. أجبرت فاطمة على توقيع تصريح تتنازل فيه للمملكة المغربية عن المنزل الذي اشتراه زوجها في لندن، 19 شارع هايد بارك. ووفقا لما أدلى به الصحافي جيروم مارشان، فوجئ رجال الفرع الخاص برؤية نحو عشرين شخصا من الإختصاصيين المغاربة يحضرون إلى ذلك المنزل ويفككون بدقة كل ما في داخله، من أثاث، ومنجور، وأرضيات، بحثا عن شيء لم يعرف كنهه.

يُتبع...