بديل ـ الرباط

بعد عفو 1980 صدر عفو آخر في العام 1084 أفرغ بعض الزنزانات. أخلي سبيل من حكموا بمدد خمس وعشر سنوات بعد قضائهم مدة محكوميتهم. كما أفرج عن المتنكرين لمبادئهم. بقي أربعون معتقلا استمروا على ولائهم القديم لمبادئ عقائدية يتسائل معظمهم أي زيغ دفعهم إلى اعتناقها. بقيت لهم أخلاقهم، وروح المقاومة، تلك حتمت، مدى الأزمان، على عديد من الرجال و النساء أن يواجهوا الغضطهاد السياسي أو الديني، لأنهم يعرفون في قرارة أنفسهم أن ما بعد العقائد و المعتقدات الزائلة تبقى كرامتهم الثابتة التي يجب ألا تزول.

كان ابراهيم السرفاتي يوجه رفاقه الشبان بعلو قامته وتقدم سنه ومجموع تجاربه وخبراته المكتسبة. بدأ نضاله منذ زمن الحماية، عندما كان الآخرون، إن كانوا قد ولدوا، ما يزالون في المهد رُضعا. ترك التعذيب عليه آثاره القاسية، فهو شبه معقد، بالرغم من أنه يثور عندما يتعرض أصدقاؤه إلى وضعه الصحي للمطالبة بتحريره. تناذر رينو الذي أصيب به ، منذ صنوف العذاب التي لقيها في مفوضية الدرب، ازداد تفاقما؛ فهو لا يستطيع أن يمسك قلما، كما أن ساقيه لا تقويان على السير السريع، ولا تمكنانه مطلقا من الركض، وهو يضطر إلى الإستناد بيديه الإثنتين ليتمكن من صعود درجات سلم. إذا تعثر بحصاة في فناء سقط من علو قامته، فهو مضطر إلى أن يتوكأ باستمرار على عكاز.

لم تكتف السلطة باعتقاله المستمر، وكأنها عجزت عن تطويعه بتعذيبه جسديا، فعمدت إلى قهره باضطهاد ابنه موريس، وهو المبتعد كليا عن السياسة. أوقفته الشرطة وعذبته في العام 1972، ثم أوقفته مجددا في 1981، وحاكمته في العام 1984 لأنه قدم لوالده في السجن آلة كاتبة صودرت سريعا؛ وهي من نوع الآلة الكهربائية الشخصية بينتر 20 اليابانية، المصممة خاصة للمصابين بأعطال في أيديهم؛ فقد اعتبرت مادة محظورة. كما ـدين موريس السرفاتي أيضا بأنه أخرج من السجن رسائل كتبها والده، وحُكم عليه بسنتي سجن فعلي، و سنتي منع من الإقامة في الدار البيضاء حيث يعيش منذ ولادته. تظاهرت الشرطة في تلك المناسبة أنه يعيش مع مواطنة ألمانية في معاشرة دون زواج، وهي ممنوعة وفق القانون المغربي، وحكمت على رفيقته بالسجن أربعة أشهر.

كانت المدرسة الفرنسية كريستسن دور- جوفن، التي خبأت ابراهيم و اثنين من رفاقه منهم زروال المسكين الذي مات تحت التعذيب، قد طُردت من المغرب و منعت من العودة إليه، لكنها نشطت في باريس من أجل سجناء القنيطرة، و عرفت كيف تثير اهتمام دانييل ميتران من أجل قضيتهم. تدخلت السيدة ميتران، المتحمسة في نصرة حقوق الإنسان، بإخلاص رائع، وكفاح مستتر عدة مرات لمصلحة أولئك السجناء، مما دفع الحسن الثاني في مهاترة عامة وفظة إلى التصريح (قلت لها:"تذكرين يا سيدتي، بالتأكيد، أن أهلك حدثوك عن حرب 1914- 1918؟... الواقع، يا سيدتي، أن الصحراء بالنسبة لنا هي الألزاس و اللورين").

يُتبع...