بديل ـ الرباط

خلال سبعة أشهر، بقوا مكدسين في أقبية مفوضية الدرب ممددين على الأرض، الأصفاد في أيديهم، و العصابة على عيني كل منهم.

كانت العصابة مقصوصة من أكياس طحين مقدمة من الولايات المتحدة، و عليها الكتابة التالية:"هدية من الشعب الأمريكي".

و يسمح لهم برفعها ثلاث مرات في اليوم: صباحا، لغسل وجوههم، و ظُهرا و مساء لابتلاع طعامهم لمُؤلف بكامله تقريبا من المواد النشوية.

الأصفاد لا ترفع أبدا. كتب ابراهيم السرفاتي لاحقا:" أتذكر تلك اللحظة، يوم 15 كانون الثاني 1976 نحو الساعة 14، كنت وحدي في زنزانة السجن، بعد أربعة عشر شهرا و خمسة أيام في هذا الجحيم. شعرت من جديد أنني كائن بشري، لمجرد أنني استطعت تحريك ذراعي".

سبعة أشهر دون رؤية الشمس: جميع منافذ الدرب مغطاة. و نور النينونات الساطع يتسرب عبر العِصابة، و عبر الأجفان المغلقة، الهواء دبِق حتى أن الذباب يعافه.

حتى في الصيف الأرض و الجدران ترشح رطوبة.

الحياة أو ما حل محلها، ليست إلا مجموعة ممنوعات. يكتب إدريس: "ممنوع الكلام، ممنوع النظر، ممنوع التحرك، ممنوع الضراط، لحسن الحظ يمكن أن نفعل هذا دون إصدار صوت، ممنوع التبول إلا الساعات المخصصة لذلك تحت طائلة الضرب...".

عند أقل حماقة، عند أقل حركة مفاجئة، هناك الفلقة. عقوبة أخرى تلتزم السجين بالوقوف ساعات في مواجهة الحائط على ساق واحدة.

كل سجين يشار إليه برقم.

في الليل و النهار صراخ من يُعَذبون.

المرض، رطوبة الأمكنة تسبب التدرن الرئوي، و الربو، و الرثيات. للفلقة تأثير ثانوي هو الأرق المزمن. و العصابة تسبب الدماع و آلام العينين. الإضطرابات الهضمية عامة، و كذلك بالطبع الإضطرابات النفسية الناتجة عن التعذيب.

و هناك القمل، و البراغيث، و الجرب.

عشرات الشبان، معصوبو الأعين، مقيدو اليدين، ملزمون بالصمت، ممددون على ظهورهم أربعا و عشرين ساعة من أربع و عشرين، و قد صفوا جنبا إلى جنب في أقبية مفوضية الدرب عندما سيتمكنون من النظر مستقبلا في المرآة بعد خروجهم، سيكتشفون بذهول بدانتهم و انتفاخهم بالمواد النشوية، و شحوبهم الشمعي كأنهم بقول ذابلة مرمية طي النسيان في قبو.

يتبع..