بديل ـ الرباط

أعاد كتاب "الأمير المنبوذ" لصاحبه الأمير هشام، ذاكرة بعض المغاربة إلى كتاب آخر، هز عرش الحسن الثاني، بالقدر الذي لم تهزه كل الانقلابات التي شهدها عهده، حتى إن بعض المتتبعين اليوم يتساءلون: كيف سيتعامل محمد السادس مع كتاب "الأمير المنبوذ"؟

"صديقنا الملك" لصاحبه الصحفي الفرنسي جيل بيرو، كتاب قهر الحسن الثاني، لدرجة دفعته إلى إدانته مباشرة على التلفزة المغربية، وهو الذي لم يقهره لا جبروت عسكر ولا مناورات اشتراكيين ولا تقية إسلاميين، حتى قضى فوق كرسي العرش زهاء أربعين سنة من الحكم، لم تخل سنة واحدة منها من العواصف الاجتماعية والسياسية والعسكرية.

هكذا جاء "صديقنا الملك"

تفيد مصادر مطلعة لـ"بديل" حضرت مؤتمرا إفريقيا فرنسيا، عُقد بباريس نهاية ثمانينيات القرن الماضي، وترأسه الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتران، أن الأخير لدى تناوله الكلمة، واجه القادة الأفارقة بلغة حازمة وصارمة لم يعهدوها من أسلافه، وقال بنبرة حادة: من الآن فصاعدا لن تدعم فرنسا إلا الأنظمة التي ستتبنى الديمقراطية وحقوق الانسان، فمن سيسير على هذا النهج، ستصله امداداتنا المالية، ومن اختار الاستمرار في اضطهاد حقوق مواطنيه، فلن يجد منا إلا المعارضة، وقطع الامدادات"، خيم الصمت على القاعة بعد أن فرغ ميتران من مداخلته، لم يجرؤ أي زعيم افريقي على التعليق على ما تقدم به الرئيس الفرنسي، لكن الحسن الثاني فعلها، اخذ الكلمة، ورد على ميتران برباطة جأش: نحن لا ننتظر دروسا من احد، ونحن أدرى بشعابنا وحاجيات شعوبنا، لم نأت هنا لتلقي الدروس، بل لبحث سبل التعاون"، أنهى الحسن الثاني كلمته، في وقت لم يحِد ميتران عينينه عن وجهه.

وجد الرئيس المالي وبعده ثلاثة رؤساء آخرين بعده، في كلام الحسن الثاني، فرصتهم لتسجيل حضورهم، وبدت جميع مداخلات الرؤساء الأفارقة التي أعقبت كلمة الحسن الثاني متشابهة. لم يمض إلا عام واحد على هذا المؤتمر، حتى كان الرؤساء الأفارقة الأربعة قد غادروا كراسي الحكم، بفعل انقلابات دبرتها المخابرات الفرنسية. لكن ميتران عجز عن فعل نفس الأمر مع الحسن الثاني، فلم يجد حيلة، غير استدعاء جيل بيرو، لحثه على كتابة مؤلف يرصد كل الممارسات العنيفة للحسن الثاني تجاه شعبه. اعطى ميتران الضوء الأخضر للخارجية والداخلية الفرنسية، لتوفير كل الوثائق اللازمة لبيرو، وهكذا جاء "صديقنا الملك" مع الاستناد إلى كتابات معارضين مغاربة خاصة مومن الديوري في كتبه "مرافعة ضد مستبد" و"لمن يعود المغرب".

وإذ يعيد "بديل" نشر الكتاب على شكل حلقات مساء كل يوم فليس معنى هذا أنه يتبنى ما ورد فيه، وإنما غايته إطلاع زوراه، ممن فاتهم قراءة الكتاب، على الحديقة السرية لواحد من أكثر الملوك العلويين إثارة للجدل على طول تاريخ حكم هذه العائلة للمغرب.

(الحلقة الثامنة)

ٍإنه مدين لفرنسا بما يتمكن أحد من أسلافه منذ ليل الزمن السحيق الحصول عليه: مغرب يخضع لسلطة واحدة، انتهت فيه السائبة المتعددة القرون، أرتال ليوتي وبيتان ومونجان حُطمت أضلاعها ، وشبكة الطرق التي تقطع الجبال طولا وعرضا، من الآن فصاعدا منعت تجددها.

عبارة "أرحنا من هذا التمرد" التي قالها مولاي حفيظ لبيتان الذي جاء لمحاربة عبد الكريم كانت رهيبة، لكنها كلمة سلطان.
منطقة الريف منذ زمن طويل تربك العرش ، لكنها عادت أخيرا إلى حضن المخزن. كذلك عندما أبلغ الجنرال غيوم، في عام 1934 محمدا بن يوسف بأن خضوع الجنوب ينهي فتح المغرب، عبر له السلطان الشاب عن اعترافه بالجميل"لهذا العمل الممتاز الذي أعاد السلام" أتّمت الفرق العسكرية الاستعمارية ما عجزت عنه خيالة المخزن. كان الجيش الفرنسي عابرا أما المخزن فباق.
أحيت فرنسا، خاصة ، السلالة العلوية الحاكمة. والضربة المؤلمة التي وجهت إلى محمد بن يوسف بخلعه جعلت منه بطلا شعبيا. وجه الجنرال شارل ديغول من معتزله في كولومبي-لي-دوإغليز- وهو الخبير في هذا المجال- إلى العاهل المخلوع، البرقية المختصرة التالية:"يجب على الإنسان أن يتألم ليغدو كبيرا" فتحت أشجار نخيل أنتسيرابي في مدغشقر تألم محمد بن يوسف كثيرا وكبُر كثيرا، وفي المخيلة الجماعية لشعبه غدا عملاقا. لم يتوفر هذا الحظ لباي تونس. فرنسا لم تدلك جبينه بمسحة العذاب المقدسة. فقضمة بسرعة بورقيبة الذي كبر على قد سنوات السجن والنفي التي فرضها عليه المستعمر.
الرجل الذي هتفت له الجماهير وهي تبكي فرحا على درب انتصاره بين الرباط ومطارها، دخل تاريخ بلاده بأجمل عنوان يمكن لرجل دولة أن يحلم به: المحرر.
لكن اللعبة لم تنته.
الرسميون يخشون من محاولة اغتيال، وسائق سيارة السلطان قد تلقى الأمر بألا يتباطأ، فاندفعت الدلاهاي ثقيلة بين صفين من الجموع البشرية الغفيرة. بقي الجيش محتجبا،لكن المكلفين بحفظ النظام من شبان الأحزاب الوطنية كانو يراقبون الجماهير. مناضلو حزب الاستقلال بقمصان زرقاء وسراويل سوداء وربطات عنق بالألوان الشرفية وقبعات خضراء، وشبان الحزب الديمقراطي، المنطقة الثانوية، في بزات بيضاء أو كاكية وقبعات حمراء.
كانوا آلاف ا يتصرفون بنظام تام وتهذيب جم في عرض رائع للقوة، وفي الرباط تعالت صيحات الجماهير المتحمسة:"يحيا الاستقلال" مختلطة بهتافات عديدة "يحيا الملك".
ثم المقاومة، خلايا مدنية ، وعصابات جبلية، ولما كانت الإدارات السياسية للأحزاب منفية أو سجينة، فقد تطورت هذه المقاومة خارج رقابتها، وتمرّس مجاهدوها على القتال وتصلبوا على وقع نيران الأنشطة السرية، مجازفين بتعرضهم للعذاب والموت، وكانوا متضامنين كليا مع الأخوة الجزائريين، ويخشى بالنسبة لكثيرين منهم، ألا يؤدي إرجاع السلطان غالى عرشه، إلى نهاية التزامهم بالجهاد، كما يمكن ألا يكونوا راغبين بالعودة إلى كنف الأحزاب. أنهم يحملون السلاح، ويعرفون كيف يستخدمونه، والشعب متحمس لهم.
روى الموفد الخاص لصحيفة لموند بيير ألبين مارتل قصة الأحداث الغربية التي شاهدها مساء يوم عودة السلطان على المشوار، وهو الساحة الواسعة أمام قصر السلطان التي تُعد المكان التقليدي للاحتفالات"كانت الصيحات المنطلقة من زُمر النساء يمكن أن تُدهش وتثير القلق. تتعالى أصوات بعضهن"بالقنابل والمسدسات" وتردُ أخريات بنغم الإنشاد "بالقنابل والمسدسات استعدنا ملكنا".
وقد أشار الصحفي أيضا إلى أن المواكب العديدة التي كانت تتجول في العاصمة طوال الليل رفعت شعارات وهتفت بعبارات "أبعد ما تكون عن خلوّها من المضمون السياسي".
إن اتفاق الآراء ذو حياة قصيرة.
فما أن انقشعت أدخنة الوهم الغنائي، حتى قام صراع على السلطة بين القوى الثلاثة التي ترى في نفسها القدرة على استلامها وتصبو إليها: العرش، وحزب الاستقلال، ومجاهدو المقاومة.

غدا تبدأ أقوى مشاهد التراجيديا مع رجل الدم الجنرال محمد أفقير

 

 

ٍٍ