بديل- الرباط

أعاد كتاب "الأمير المنبوذ" لصاحبه الأمير هشام، ذاكرة بعض المغاربة إلى كتاب آخر، هز عرش الحسن الثاني، بالقدر الذي لم تهزه كل الانقلابات التي شهدها عهده، حتى إن بعض المتتبعين اليوم يتساءلون: كيف سيتعامل محمد السادس مع كتاب "الأمير المنبوذ"؟
"صديقنا الملك" لصاحبه الصحفي الفرنسي جيل بيرو، كتاب قهر الحسن الثاني، لدرجة دفعته إلى إدانته مباشرة على التلفزة المغربية، وهو الذي لم يقهره لا جبروت عسكر ولا مناورات اشتراكيين ولا تقية إسلاميين، حتى قضى فوق كرسي العرش زهاء أربعين سنة من الحكم، لم تخل سنة واحدة منها من العواصف الاجتماعية والسياسية والعسكرية.
وإذ يعيد "بديل" نشر الكتاب على شكل حلقات مساء كل يوم فليس معنى هذا أنه يتبنى ما ورد فيه، وإنما غايته إطلاع زوراه، ممن فاتهم قراءة الكتاب، على الحديقة السرية لواحد من أكثر الملوك العلويين إثارة للجدل على طول تاريخ حكم هذه العائلة للمغرب.
وإذ يعيد "بديل" نشر الكتاب على شكل حلقات مساء كل يوم فليس معنى هذا أنه يتبنى ما ورد فيه، وإنما غايته إطلاع زوراه، ممن فاتهم قراءة الكتاب، على الحديقة السرية لواحد من أكثر الملوك العلويين إثارة للجدل على طول تاريخ حكم هذه العائلة للمغرب.

تولدت الريبة من خيالية القصة بالذات، وفقا لما أدلى به فيجون، وصل الدليمي أولا إلى فونتيني-لي-فيكونت، وعبر في الحال عن نواياه الجرمية، سيطر المأجورون بصعوبة على بن بركة الذي كان يقاوم بقوة فائقة، ثم وصل أفقير وكان يعتمر قبعة لُبدية سوداء."بدا برأس قاتل غريب" وفقا لتصريح فيجون. التف نحوي وسألني:"أهو في الطابق العلوي؟-نعم"-"هل تجري الأمور كما ينبغي؟". تحركت شفتاي عن حركة ذا مغزى، فلم يجب أفقير. استل خنجرا مغربيا معلقا بين مجموعة أسلحة في أسفل السلم وصعدا إلى الطابق الأول، وقال ببساطة "حسن هاهو"."عندما رآه بن بركة بدأ يقاوم من جديد. اقترب أوفقير منه وقال: أعرف جيد وسيلة تهدئته". وبدأ بغرز خنجره في عنقه وصدره، ظهرت عليه علائم سرور الجراح الماهر الذي يقوم بدرس في التشريح لمتدربيه من الأطباء الخرجين الجدد، وقال:" انظر الآن لا بأس".
هذا المشهد المروي بشكل أقرب إلى التهريج يُثير الذهول: كيف يمكن التصديق أن وزير داخلية المغرب ينطلق على الأرض الفرنسية بتصرفات هيجان سادي متوحش، أشبه بمسلسل فيلم رُعب وضيع؟ غير أنه يثبت بشكل لا معقول صحة الرواية، جميع معذبي دار المقري يمكنهم أن يتعرفوا في حركة الخنجر على توقيع أفقير غير القابل للتقليد.
وبقراءة متمحصة لرواية فيجون، يبدو أن الإكسبريس أعطتها عنوانا يتجاوز حقيقة الأحدث المروية: فيجون رأى تعذيب بن بركة لكنه لم يشهد موته.
كان بن بركة، يحفظ ملفاته السياسية في صندوق حديدي في جنيف، وأراد أفقير الحصول عليها. ووفقا لاعترافاته لأحد محاسبيه، العميل الإسباني غونزاليس متى، انتزع من عميله اعترافا برقم صندوقه وتفويضا بفتحه.
الحقيقة أنه بعد تلك الليلة العاصفة استقل الطائرة إلى جنيف صباح يوم الحادي والثلاثين من الأشهر. وقد أكد فيما بعد أنه ذهب لزيارة أولاده الذين يقضون العطلة في جستاد.
كان أفقير دون أدنى شك محبا ودودا، لكن لنا أن نتساءل إن كان وزير داخلية المغرب، بعد مجابه’ الوضع ألحرج القائم في فونتين-لي-فيكونت و أورموا، يستطيع أن يعطي أفضلية لبعض ساعات من الانشراح العائلي في جستاد.
عاد إلى باريس في 2 تشرين الثاني وفي الثالث منه، حضر حفل كوكتيل أقيم في وزارة الداخلية، حيث احتفل بنهاية دورة تدريبية في فرنسا للحكام المغاربة وكبار الموظفين الخاضعين لسلطته. كان إلى جانب مفوض الشرطة بوفة المكلف بالتحقيق حول اختفاء بن بركة.
في المساء خلال حفل عشاء أقيم في سفارة المغرب، جلس في مواجهة جاك أوبير مدير مكتب روجيه فري وزير الداخلية الفرنسي الذي اعتذر عن الحضور في الدقيقة الأخيرة...
بتاريخ 4 تشرين الثاني غادر باريس إلى الرباط، بصحبة الدليمي، دون أن يلقي أي إزعاج.
ندد ديغول بالحادث، و ذكر بـ"شرف المركب"المهان، حتى دون أن يصفح عن استيائه، لم يُطق أن يُخطف على الأرض الفرنسية رجل هو ضيفه، استدعت فرنسا سفيرها من المغرب، وعلقت مساعداتها المالية، وفي 20 كانون الثاني 1966، صدرت مذكرة توٌقيف عالمية ضد أفقير و الدليمي.
توقع ديغول من الحسن الثاني أن يتخلص، على الأقل من وزير داخليته، ورأت المعارضة المغربية، [ألم أن كل ضغط فرنسي يقوي مركز الجلاد معذب دار المقري. إنها قضية كرامة وطنية: من المستحيل الإذعان للأمر المفروض من القوة الاستعمارية السابقة. فسجل الحسن الثاني نقاطا لصالحه بإظهاره دعما متباهيا لأفقير.
شهدت الدعوى الأولى المفتتحة أمام محكمة جنايات السين توقفا بتاريخ 19 تشر]ن الأول 1966بسبب حادث مفاجئ: وصول الدليمي إلى باريس، مسلما نفسه للعدالة امتثالاً لمذكرة التوقيف العالمية الصادرة ضده، .كان ذلك وفقا لتصريحاته، تصرفا شخصيا، بين أسبابه في رسالة شخصية موجهة إلى الملك:"إن قضية تجري حاليا أمام محكمة جنايات السين، توجه الاتهام لي، ومن خلالي إلى بلادي. وعلى مدى الادعاء فيها، ترى بلادي اسمها يُشتم ويُهان ويمرغ في الوحل وكل ذلك بسببي، لذا بهدف أن أضع حدا لجميع هذه الأعمال الشائنة وكي أغسل شرف بلادي، وشرفي، قررت أن أمثل أمام محكمة جنايات السين قبل انتهاء مرافعاتها. أرجو جلالتكم عدم مؤاخذتي لأنني لم أطلب موافقتكم المسبقة على تصرفي، فأنا العارف للعواطف الأبوية التي تكنونها لي يا صاح الجلالة، كنت متأكد أنكم ستمنعونني من الذهاب إلى باريس. إنني أغادر وأنا مقتنع بأنكم ستولونني ثقتكم وتقديركم، وسيصونون شرف عائلتي وأولادي وكرامتهم".

يتبع