بديل ـ الرباط

أعاد كتاب "الأمير المنبوذ" لصاحبه الأمير هشام، ذاكرة بعض المغاربة إلى كتاب آخر، هز عرش الحسن الثاني، بالقدر الذي لم تهزه كل الانقلابات التي شهدها عهده، حتى إن بعض المتتبعين اليوم يتساءلون: كيف سيتعامل محمد السادس مع كتاب "الأمير المنبوذ"؟

"صديقنا الملك" لصاحبه الصحفي الفرنسي جيل بيرو، كتاب قهر الحسن الثاني، لدرجة دفعته إلى إدانته مباشرة على التلفزة المغربية، وهو الذي لم يقهره لا جبروت عسكر ولا مناورات اشتراكيين ولا تقية إسلاميين، حتى قضى فوق كرسي العرش زهاء أربعين سنة من الحكم، لم تخل سنة واحدة منها من العواصف الاجتماعية والسياسية والعسكرية.

وإذ يعيد "بديل" نشر الكتاب على شكل حلقات مساء كل يوم فليس معنى هذا أنه يتبنى ما ورد فيه، وإنما غايته إطلاع زوراه، ممن فاتهم قراءة الكتاب، على الحديقة السرية لواحد من أكثر الملوك العلويين إثارة للجدل على طول تاريخ حكم هذه العائلة للمغرب.

وإذ يعيد "بديل" نشر الكتاب على شكل حلقات مساء كل يوم فليس معنى هذا أنه يتبنى ما ورد فيه، وإنما غايته إطلاع زوراه، ممن فاتهم قراءة الكتاب، على الحديقة السرية لواحد من أكثر الملوك العلويين إثارة للجدل على طول تاريخ حكم هذه العائلة للمغرب.

أسوأ إدانة للاستعمار، هي دون شك، الطموح الهائل إلى الثقافة الذي يتحرر نتيجة هزيمة، كأن الغطاء المحكم الإغلاق على الشعب قد تفجر فجأة. أبقت الإدارة الفرنسية المغرب في حالة من التخلف التربوي المتعمد، وأوصلت الظاهرة إلى شدَّة لا مثيل لها.

بالنسبة للشعب بجماهيره الكبرى، غدا الاستقلال يعني الحق في التربية، الذي ما كادت تُقرع أجراسه حتى اندفعت جموع الأهل تحاصر المدارس بفرح لتسجيل ذريتها.

بدا الظمأ للتعلم لا يرتوي. العائلات الأكثر فقرا تضحي بكل ما تملك لتؤمن لأبنائها إتمام الدراسة. ففي بلاد كانت الأمية تسود تسعين بالمائة من الشعب، إن معرفة القراءة والكتابة تفتح باب المستقبل والحصول على شهادة، مهما كانت بسيطة، تؤمن عيش عائلة. نيل الشهادة الثانوية يسجل مرحلة حاسمة في الصعود إلى مرتبة اجتماعية أعلى.

يجب مضاعفة المدارس الأولية وبناء كليات والمعاهد. بقيت الجهود وهي هامة، غير كافية. وفي كل عام يقف ثلاثمائة ألف ولد على أبواب المدارس، والتسجيل يتطلب من العائلات مثابرة جديرة بالثناء.

غالبا ما ترابط الأمهات ليلا ونهارا أمام المكاتب لتتوصل إلى تسجيل أبنائها. كما أن التسجيل لا يكفي دائما لفتح أبواب الدورة الدراسية.

ففي العام 1965. كان ولدان من ثلاثة لا يتيسر لهما الدخول.

في العام 1965 نفسه، وبسبب أزمة اقتصادية طارئة، أغلقت السلطات روافد مخصصات التعليم، تضمن تعميم لوزارة التربية الوطنية بتاريخ 23 آذار، صرف التلاميذ الذين تجاوزوا الثامنة عشر من العمر من المدارس الثانوية، وإلزامهم بالتوجه إلى التعليم التقني.

ووفقا للمعايير الأوروبية، فإن تلميذا في الثامنة عشر من العمر لم ينه دراسته الثانوية، يُعتبر سيئ التوجه عند الاقتضاء، لكن الوضع المغربي يستثني مثل هذا الاقتضاء، فنظرا لقلة الأمكنة كان من المبتذل أن يتعفن التلاميذ سنتين أو ثلاث سنوات في صفوف تسمى تحضيرية، حيث التعليم لا يتوفر إلا نصف الوقت، التأخر حدث منذ البداية، ومن الصعب أن يعزى إلى الأولاد، لكنه يحول دون إنهاء المرحلة الثانوية في السابعة عشر من العمر.

في 23 آذار عند انتشار الخبر في الدار البيضاء، نزل الطلاب الثانويون إلى الشارع. تظاهروا أولا بشكل نظامي، وهم يهتفون ويرفعون شعارات مثل" أنهم لا يريدون أن يتعلم الفقراء"، ثم تطايرت بعض واجهات المخازن الفخمة شظايا، وأُحرقت بعض السيارات وحافلات الركاب.

أطلقت الشرطة النار وتحولت التظاهرة إلى فتنة.

في عصر اليوم نفسه، نزل سكان أحياء الصفيح إلى الشارع ملتحقين بالتلاميذ الثانويين، جمهور لا حصر له، بائس، طُرد من الأرياف، وتجمع فاقد الأمل في أطراف المدينة، دون اسم يتنازع مع الجرذان على زاده. الدار البيضاء سعلاة فتية، تتغذى من هجرة ريفية أشبه بجرف ثلجي، والاستقلال، يجب أن يكون أيضا استرجاع الأراضي المستعمرة والمستغلة من قبل الفرنسيين، مقترنا بإصلاح زراعي .

لقد ضمن محمد الخامس لنفسه بكل برود النصيب الأوفر منها وغدا ابنه من بعده، أكبر ملاك أرض في المملكة. حتى الأراضي التي كانت القبائل ترعى فيها قطعانها بشكل جماعي، احتكرت من قبل المستوطنين الفرنسيين، وكان هذا الاحتكار إحدى فضائح الحماية، لم تُرد بعد الاستقلال إلى أصحابها الشرعيين، البورجوازية الريفية توزعت بقية الغنيمة.

كان لها أفضل الأراضي(في العام 1971، 5 في المائة من الملاك، يحتفظون ب 60 في المائة من الأراضي الأكثر خصبا)، ومن أجلهم، بصورة رئيسية، أنشئت السدود بدءً من العام 1960، أما الإصلاح الزراعي فقد أثير موضوعه على الدوام، لكنه لم يتحقق أبداً، بقي مشروعا من بين مشاريع عديدة في ملفات اليسار.

شهر بعد شهر كانت جموع عديدة من القرويين المنتزعين من بيئتهم تنزح مع النساء والأطفال إلى تخوم المدن، وخاصة إلى الدار البيضاء. لم يزد التمدين عن 5 في المائة في بداية القرن، لكنه وصل إلى 30 في المائة في العام 1965.

كان النازحون ينامون في البدء على الكرتون، ثم في أكواخ حقيرة من الصفيح تنغمر شتاء في مستنقع من الوحل والغائط، وتتحول صيفا إلى أفران شمسية. الأقل تعاسة منهم يضعون ابنتهم خادمة في المدينة، والأكثر سعادة يجد عملاً، لكن الدار البيضاء حوت في العام 1965 ثلاثمائة ألف عاطل عن العمل.