بديل ـ الرباط

أعاد كتاب "الأمير المنبوذ" لصاحبه الأمير هشام، ذاكرة بعض المغاربة إلى كتاب آخر، هز عرش الحسن الثاني، بالقدر الذي لم تهزه كل الانقلابات التي شهدها عهده، حتى إن بعض المتتبعين اليوم يتساءلون: كيف سيتعامل محمد السادس مع كتاب "الأمير المنبوذ"؟
صديقنا الملك" لصاحبه الصحفي الفرنسي جيل بيرو، كتاب قهر الحسن الثاني، لدرجة دفعته إلى إدانته مباشرة على التلفزة المغربية، وهو الذي لم يقهره لا جبروت عسكر ولا مناورات اشتراكيين ولا تقية إسلاميين، حتى قضى فوق كرسي العرش زهاء أربعين سنة من الحكم، لم تخل سنة واحدة منها من العواصف الاجتماعية والسياسية والعسكرية.

وإذ يعيد "بديل" نشر الكتاب على شكل حلقات مساء كل يوم فليس معنى هذا أنه يتبنى ما ورد فيه، وإنما غايته إطلاع زوراه، ممن فاتهم قراءة الكتاب، على الحديقة السرية لواحد من أكثر الملوك العلويين إثارة للجدل على طول تاريخ حكم هذه العائلة للمغرب.

كان الفاسد سائدا من قمة هرم النظام الإجتماعي، حتى قاعدته. القروي المعدم يعرف أن أية معاملة، له مهما بلغت تفاهتها، لا يمكن أن تتم في الدوائر الحكومية، إلا بعد تقديم دجاجة او خروف، والعاطلون عن العمل، الذاهبون بمئات الآلاف إلى اوربا، سعيا إلى الإرتزاق يجب على كل منهم، أن يربط بطلب جواز سفره رزمة من الدراهمن وفي قمة الرشاوين تبلغ المليارات.

من العلوم لعموم الناس أن الخامات الفلزية، هي مادة التصدير الرئيسية في تلك الفترة، وهي تباع رسميا، وفق نسبة العنصر المفيد فيها. وهي تقل عن نسبته الحقيقية 45 في المائة بدلا من 60 في المائة، فرق السعر يذهب إلى حسابات المسؤولين الرقمية في المصاريف السويسرية. صرح أحمد رضى غديرة، المستشار المقرب من الملك، الأمين بين الأمناء، لجويت عالية، من مجلة نوفيل أوبسيرفاتير، بعد إعصار الصخيرات: " لو وجدت بعض الفضائح في المناصب العليا، حتى ولو كانت هائلة، لهان الأمر، يكفي إجراء بعض الدعاوي المدوية، ويستثب النظام، لكن الأمر الخطير في الفساد أنه مثل الغنغرينا، ينتشر إلى حد يغدو فيه منهجا، بل إنه المنهج".

أعطى الملك المثال والقدوة السيئة، فهو أول ملاك عقاري في البلاد، واول مصدر حمضيات، وأول متعهد، اشترى مجددا ملكية مصرف باريس، والبلاد المنخفظة ووظف أمواله في منتوجات الألبان، الشوندر السكري ومزارع الأزهار، ونباتات الزينة، وتجارتها، وودائعه في البلدان الأجنبية لا حصر لها. يشكل الفساد جزء متمما لطريقته في الحكم، ف أحد الأيام رفع موظفا، اشتهر باستقامته، إلى مرتبة وزير وأعلن لحاشيته: "سأصرفه عندما يسرق 25 مليونا".

وهو يهب بأريحة وسخاء بدء من السيارة - إذهب إلى مرآبي واختر المرسيديس التي تعجبك فهي لك" - وحتى المزارع وشركات النقل والفيلات الفخمة، لكن أيضا يأخذ بالسهولة نفسها، عندما يسير في إحدى الطرقات، ويكتشف ملكية تعجبه، يعلن إستلاءه عليها، دون اللجوء إلى أي شكل إجرائي.

إذ عرف الملك كيف يتنازل على ملكيته والإبتسامة على شفتيه ينال تعويضا عنها، فكل واحد يجب أن يعلم ان الثروة كالسلطة تتعلق بالحظوة الملكية وحدها. غير أن الإنظمام المحرض إلى الفساد، لا يحول الملتحقين بقافلته، دون وجوب تحمل وصمات الإزدراء الملكي الجلية، فقد استمعت كل الرباط بروايات المغامرة المزعجة التي حدثت لأحد الوزراء الذي وصل بسرعة إلى الثروة.

دعا الوزير الملك إلى مأدبة تدشين البيت الفخم، الذي أنهى تشييده في حي السوسي وهو في الرباط بمنزلة حي نويي في باريس. أبدى الحسن الثاني إعجابه بجمال المكان وملحقاته المترفة وسأل الوزير عن كلفته، رأى الوزير الذي لا يبرر راتبه الرسمي النفقات الباهظة المبذولة على البناء، من المهارة أن يقسم الكلفة الحقيقية على إثنين هنأه الملك على براعته في ضغط النفقات، ووقع له في الحال شيكا بالمبلغ الذي ذكره وتملك المنزل وخصصه مسكنا لسفير إحدى البلدان الصديقة.