بديل ــ الرباط

إنه يملك.

منذ عشرين سنة كتب عالم الإجتماع الأمريكي جون واتربوري: "يتولد لدينا غالبا الشعور بأن ليس لدى الملك استراتيجية للمدى الطويل إلا في توقع استمرار خططه، على المدى القصير، في تحقيق نجاحها" وقد نجحت.

سيد المناورة. عرف كيف يُبعد جميع من يخشى أن يوحوا إليه بشك أو قلق، دون أن يأبه بما يلحق البلاد من ضرر. عند الخروج من الحماية الفرنسية كان المغرب يحوي طبقة سياسية لا مثيل لها لدى بلدان أخرى في بداية استقلالها. أمثال بن بركة، وبوعبيد، وعبد الله ابراهيم، والفقيه البصري و أصدقاؤهم، يجسدون جزءا من مستقبل بلادهم، في تمام النزاهة و الإستقامة، وأخذوا من أوروبا أحسن ما يمكن ان تعطيه دون أن ينقطعوا عن شعبهم. مارسوا السياسة في كفاحهم من اجل الإستقلال. أكملوا دراساتهم في سجون الحماية، مما زاد في ارتباطهم بالشعب مثل أية نخبة في العالم الثالث. قتل هذا وألزم بالعيش في المنفى إلى ما لا نهاية، وقُلص البقية إلى دور ممثلين صامتين في إيمائيته الديموقراطية. إن كان بالتأكيد لم يبتكر السلطة الغستبدادية المطلقة، فإن عبقريته ألبستها بهرجات خاصة بخداع أولئك الأجانب الذين لا يطلبون إلا وجودها. كان هذا الوجود يُعد في السابق غريبا حتى في بلاد تتمتع المعارضة فيها بكامل حقوقها عدا حق استلامها السلطة، أما ديموقراطية الحسن الثاني فترتكز على ثلاثي قوائم من القمع و التزوير و الخوف. غير تلك القضايا السياسية المذهلة التي تطرقنا إلى ذكرها في هذا المؤلف، وهي كلاسيكيات النظام الكبرى، يجب التعرض ببعض التفصيل إلى الحوليات القضائية: الحد الوسطي أربع دعاوى سياسية في العام الواحد، أكثر من مئة دعوى منذ الاستقلال، وفي كل منها إدانة جموعة مكافحين ومعاقبتهم بالموت أو بالسجن قرونا. بدأ هذا حتى في حياة أبيه الذي لم يدع يوما بأية مؤامرة عليه، بينما ازدهرت المحاولات المزعومة للإعتداء على حياة ولي العهد، وقد تطرقنا إلى القضية –المثيرة للسخرية-التي اتهم فيها الفقيه البصري وبن بركة في العام 1960 و تبين عدم صحتها، وقد خشينا أن نسبب الملل للقاؤئ بالتحدث طويلا عن قضية الفواخري في تشرين الأول 1960 (ثلاثة أحكام إعدام نُفذت، وسلسلة أحكام سجن مؤبد)، ودعوى المراكشي في آب 1961 (حكما إعدام نُفذا، منهما الحكم على لحسن الملقب بالدراج) وهو من أبطال المقاومة، وسلسلة من السجن مع الأشغال الشاقة المؤبدة، ثم بعد توليه العرش قضية الأطلسي في كانون الثاني 1969 (أربعة أحكام بالموت الخ) وقضية فاس في تموز 1976 (قضى فيها مناضل نحبه تحت التعذيب، واصيب اثنان بالجنون) وقضية ستات، وهي أيضا في تموز 1976 (مات أربعة جراء التعذيب، منهم امرأة) وقضية مكناس، أيضا في تموز 1976 (مات فيها شخص تحت التعذيب)، ثم قضية الطلاب الثانويين، وهي أيضا وعلى الدوام في تموز 1976، لأن هذا النظام جر حتى اليافعين إلى المحاكم. لو أن المغرب لم ينتشر صيته بالإشادة والإحتفال "بالديموقراطية الحسنية" ماذا سيخسر غير مظاهر ملك تقطعه منذ ثلاثين سنة صرخات المعذبين، ورشقات نيران فصائل تنفيذ أحكام الإعدام، ونحيب متواصل من محبوسين في زنزانات مدى الحياة؟

يُتبع...