بديل ـ الرباط

لم يتعطل القمع أبداً: حزيران 1971 ، قضية مراكش؛ شباط 1972، قضية عسكريي الصخيرات؛ تشرين الأول قضية الطيَارين؛ 19 حزيران 1973 قضية مغاوير البصري. في القضايا الثلاث الأخيرة، هوجم القصر بقسوة من قبل منافسيه، مما اضطر الملك لرد فعل عنيف و سريع، و هذا ما لا يرغب فيه. أنه يفضل القمع الوقائي، اذ يتمكن فيه من اختيار الوقت المناسب و الضرب عندما يكون الرأي العام العالمي منشغلا و لا يركزاهتمامه على المغرب. عندئذ تجري القضايا بلا مبالاة و تتيح معايرة العقوبات و الاجراءات الزاجرة مع الحفاظ على الواجهة الديمقراطية. تعرض الاتحاد الوطني للقوات الشعبية UNFP منذ نشأته لهذا النهج الحسني النموذجي، الذي يترك الضحية مبهورة مختلجة دون أن ينتزع منها الحياة، بحيث تتمكن أن تستعيد مكانها في الواجهة، انما المكان المحدَد لها تماما بالحاسوب الملكي و التي تزعم أنها قادرة على تجاوزه.

لم يكن عبد الرحيم بو عبيد و أصدقاؤه الوحيدين في التخوف من تنامي قدرة اليساريين في الأوساط الجامعية. فموجة التظاهرات أقلقت القصر. تحكم الماركسيين في الاتحاد الوطني لطلاب المغرب UNEM أدى الى حلَه. أوقف قادته و العشرات من أعضائه البارزين، لكن خشي أن تتعدى العدوى السياسية حدود الشبيبة الطلابية و تصل الى الطبقة العاملة التي تحركت في الوقت نفسه بسلسلة من الاضرابات تجلت فيها العزيمة. أحس الحسن الثاني ببروز بديل عن المعارضة الكلاسيكية التي تمكن على مدى السنوات السابقة أن يضبطها تماما، بل أن يدجنها.

انبثقت الثورة اليسارية المغربية على شاكلة مثيلتها الأوروبية من حساسية عالمية، بل كانت فلسطين فييتنامها، حلَ ناصر فترة طويلة في قلوب الشبيبة المغربية، فتأميم قناة السويس، و فشل الحملة الفرنسية-البريطانية أثارا حماسا عارما. كان يُستمع الى اذاعة القاهرة بما يشبه الخشوع الديني، حتى نكبة حزيران 1967 لم تزعزع مكانة الرئيس عبد الناصر، الذي قوبل موته المفاجئ بحزن عميق في المغرب، و الذي أعلن الحداد الوطني على فقده. كانت فلسطين البديل في الأوساط الشبيبة. تعددت حلقات الدراسة و لجان الدعم في الجامعات و المدارس الثانوية. أنشأ الشاعر عبد اللطيف اللعبي مجلة أنفاس Souffles بالفرنسية في عام 1966، ثم دار نشر أطلنطس Atlantes في عام 1967، و جمعية الأبحاث الثقافية في العام 1968، ثم أصدر "أنفاس" بالعربية في عام 1969. و نقل شعر المقاومة الفلسطيني الى الفرنسية، و كتب قصيدة رددها جميع الطلاب المغاربة: "تساقط الثلج طوال الليل على القدس"، و في العام 1972 سمى ابنته قدس، نفد عدد من "أنفاس"، أصدره عن فلسطين، خلال بضعة أيام. و في الصفوف اقتلع التلاميذ صورة الحسن و كتبوا مكانها ثورة التي تعلموها من فلسطين.

في العام 1967، نشر ابراهيم السرفاتي و مجموعة من اليهود المغاربة بيان تضامن مع الثورة الفلسطينية، في العام التالي دخل ابراهيم السرفاتي في هيئة تحرير "أنفاس"، و ترك الحزب الشيوعي مع اللعبي في العام 1970، لخلاف على الموقف الرسمي المتعلق بالشرق الأوسط.

بالنسبة للعبي و السرفاتي يجب أن يتعدى التضامن الكلمات. فالطريقة الأكثر فعالية في مساعدة الفلسطينيين هي في نظرهم ايقاد بؤر ثورية في البلدان العربية المحافظة التي تكبح كفاح التحرير.

يتبع..