بديل ـ الرباط

الليل و النهار مختلطان، يبطل الزمن، كل دقيقة تشبه سابقتها في هذا التحجير الطارح. مع تدهور العضلات يأتي خدر الدماغ، يتداخل الحلم و الحقيقة. مصطفى أواهام غدا مجنونا.

التجاوب مع التحقيقات لا يؤدي إلى أي تساهل أو معاملة طيبة. يجب أن يعرف كل معتقل أن مصيره بكامله غدا في أيد أخرى، بل من الممكن لعضو ثابت في "إلى الأمام" أن يُطلق سراحه، بينما يبقى قيد السجن فتى جريمته الوحيدة الإرتباط بصداقة مع أحد الأعضاء. هذا ينطبق مع الحقائق المرة: أسوأ أنواع الإرهاب ما يتم اعتباطا.

صودر من منزل إدريس بعض كتب ماركسية، و بعض كراسات صادرة عن المنظمة، و "فيتنامية" وهو لقب أطلق على آلة كاتبة صغيرة لطباعة المنشورات، مع أنها لم تُستخدم مطلقا.

غير أن "اعترافاته" الصادرة مباشرة عن منطق ماوي. ذات طبيعة تدب الرعشة في قلوب أشجع الرجال:"فعاليتي السياسية تهدف إلى قلب ملكية الأسرة العلوية، و إقامة جمهورية ديموقراطية شعبية، و ذلك بإثارة اضطرابات و القلاقل في المدن و الأرياف، و تحرير مناطق حمراء متحركة، تتحول فيما بعد إلى مناطق حمراء ثابتة. سيتم تحرير هذه المناطق بمفارز مسلحة، وستجابه قوى النظام الرجعي عندما ستأتي تلك القوى لتقمع فعاليات الجماهير الشعبية، و أعني بتلك الفعاليات احتلال مزارع المعمرين الجدد من قبل الفلاحين، و إضرابات العمال الزراعيين، و التظاهرات الخ...

عندما سأله المفوض: "آمل ألا تكون مستعدا للإنخراط في منظمة تخريبية؟" أجاب: "كلا، انتهى العمل النضالي بالنسبة لي". هذا صحيح سئم من كل شيء. تساءل إن كانت لوسيل تنتظره، إنةكان قد بقي لهما مستقبل مشترك، قال في نفسه بأنه كان مجنونا عندما ضحى بسعاتهما بمثل هذه السهولة.

هكذا غدا مناضلا.

بدأت الدعوى في 3 كانون الثاني 1977 أمام محكمة الجزاء الإستئنافية في الدار البيضاء. وهي أيضا إحدى هذه القضايا الجمعية التي تلد للسلطة: تسعة و ثلاثون متهما يحاكمون غيابيا، و مئة و تسعة و ثلاثون موجودون في القفص.

بين المعتقلين ساد الشعور منذ مدة طويلة بأنهم سينجون من قسوة الأحكام. كان التحقيق شكليا بحتا. استقبلهم المستنطق مجموعة مجموعة، كل منها تتألف من عشرة متهمين، يطرح عليهم أسئلة عامة جدا، يبدو أنه هو بالذات يجد الإجابات عنها لا تجدي نفعا. ابراهيم السرفاتي وحده حظي بندرة تحقيق منفرد.

كان حزبا المعارضة خاصة، الإتحاد الإتحاد الإشتراكي للقوى الشعبية، و الإستقلال، قد أعلنا بصوت عال عن تصميمهما مقاطعة الإنتخابات، إن لم يصدر عفو سياسي يفرغ السجون. لكن الجبهيين اكتشفوا بدهشة أن المعارضة استثنتهم من حنوها: لم يحدث أبدا في الأخبار القضائية المراكشية الغنية، الحافلة بالأحداث، أن وُجد متهمون معزولون إلى هذه الدرجة، عسكريو الصخيرات و طيارو القنيطرة استفادوا على الأقل من تعاطف خفي من قبل الجيش، و من تضامن قبليي ثابت. رجال الفقيه البصري دعمهم المقاومون القدماء. حتى أوفقير، الذي اعتبر لمدة طويلة الرجل المكروه في المملكة، حظي في المرحلة الأخيرة من وجوده ببعض العطف، و نال بموته المغفرة. الجبهيون كانوا وحدهم.

يتبع..