بديل ـ الرباط

أعاد كتاب "الأمير المنبوذ" لصاحبه الأمير هشام، ذاكرة بعض المغاربة إلى كتاب آخر، هز عرش الحسن الثاني، بالقدر الذي لم تهزه كل الانقلابات التي شهدها عهده، حتى إن بعض المتتبعين اليوم يتساءلون: كيف سيتعامل محمد السادس مع كتاب "الأمير المنبوذ"؟ صديقنا الملك" لصاحبه الصحفي الفرنسي جيل بيرو، كتاب قهر الحسن الثاني، لدرجة دفعته إلى إدانته مباشرة على التلفزة المغربية، وهو الذي لم يقهره لا جبروت عسكر ولا مناورات اشتراكيين ولا تقية إسلاميين، حتى قضى فوق كرسي العرش زهاء أربعين سنة من الحكم، لم تخل سنة واحدة منها من العواصف الاجتماعية والسياسية والعسكرية.وإذ يعيد "بديل" نشر الكتاب على شكل حلقات مساء كل يوم فليس معنى هذا أنه يتبنى ما ورد فيه، وإنما غايته إطلاع زوراه، ممن فاتهم قراءة الكتاب، على الحديقة السرية لواحد من أكثر الملوك العلويين إثارة للجدل على طول تاريخ حكم هذه العائلة للمغرب.

التتمة تتجاوز الإدراك نحو الساعة الخامسة، سمعت طرقات عنيفة على باب الملاحق. بعد نحو ثلاث ساعات من احتجاز خانق، اعتقد كل فرد أن لحظته الأخيرة قد دنت. صاح أوفقير وهو يرتجف من غيظ عاجز"هل سنقتل كأفراخ بط أو ماذا؟" فُتح الباب ذُهل الطلاب الضباط من وجود هذا العدد الكبير من الناس في هذا المكان، لكن بدا واضحا أنهم لم يتعرفوا إلى أي شخص، وأنهم لم يعرفوا الملك خاصة. أعطوا الأمر بالخروج، والأذرع مرفوعة في الهواء.

اقتيد الأسرى حتى الباب الصغير المؤدي إلى ملعب الغولف، وأُجلسوا بعد أن فُتشوا بين أسرى آخرين. انقضت ربع ساعة. وصل بعض الطلاب الضباط حتى مجموعة الملك وهم يتأملون الأسرى. فجأة مال أحدهم نحو الملك، وأمسك به من كتف قميصه وأجبره على النهوض(بوحشية لا تصدق، وفقا لقول الحسن):"أنت تعال معنا". أحاط به ستة طلاب، فأمر ضباط:"أربعة رجال يكفون".

ذهب الملك ويداه مرفوعتان عاليا. دوت رشقتا رشيش. ومثل جميع المدعوين الحاضرين، اعتقد بنوا_ميشن أنه يشهد نهاية آخر ملوك الأسرة العلوية الحاكمة:"خيم الصمت على الحضور، جمدهم الرعب. أما الجنود فقد تشبثوا ببنادقهم وقد بدوا أكثر عصبية من أي وقت مضى، وبدا الذعر في نظرتهم". بينما كانت الأفكار القاتمة تدور في رأس الكاتب،: أثار انتباهي همهمة شبيهة بتلك التي تصدر عن قفير نحل، صادرة من الجهة التي اقتيد إليها الملك. بدت وكأن أشخاص يتمتمون داعين إلى الاتفاق...تابعتهم: إنهم يتلون صلاة...لكن هذا غير ممكن، إنني أحلم... ظهر الحسن الثاني مجددا، ليس حيا فقط بل باسما أيضا. وجهه الذين قادوه منذ لحظات.

لكن من الواضح أن علاقتهم قد تغيرت كليا. ليسوا الجلادين الذين يقودون محكوما إلى التعذيب، بل هم شبان منهمكون يحيطون بأميرهم برعاية تفيض احتراما". قص الحسن الثاني لريمون تورنو:"كان(الطالب الضابط) متوترا جدا، بل متهيجا إلى حد اهتز الرشيش بين ذراعه. فجاءه انقلاب فُجائي، وقف جلادي استعدادا، وحياني تحية عسكرية. أمرت"استرح" قدرت أن أمرا خارقا غير معقول، قد حدث. يجب متابعته كليا. وبخته:" لماذا لا تقبل يدي؟ هل غدوتم كلكم مجانين، أنتم جنود الجيش الملكي، أولادي؟"

بدأ الطالب الضابط قلقا، توسل إليّ:"مولانا لا تتكلم بهذا الصوت العالي، يوجد هنا كثيرون من الأشخاص يريدون لك الشر". قبل قدمي وعنقي، وكتفي. أبديت الرغبة في الذهاب لرؤية أولادي، على الطريق، أحاط بي بقية الطلاب، وقبلوا يديّ، وفي الوقت نفسه، تلوت الفاتحة وبعض الآيات القرآنية التي رددها معي الطلاب الضباط والحضور".

ثم وجهت الأمر لأفقير الموجود بين الأسرى:"جنرال أفقير، قف، إنني أعهد إليك بجميع سلطاتي المدنية والعسكرية، تولى إنهاء هذه القضية". تحت أعين الطلاب الضباط المنذهلين، الذين لم يحددوا هوية هذا الخمسيني المجهول وهو بنطلون كستنائي فاتح وقميص مخطط، نهض أفقير وتعرى من هذا الزي المدني الذي كان منذ ساعة بالنسبة له جلباب نيسوس.

من المهم الإشارة إلى أن كثيرا من المدعوين البعيدين عن الجو فهموا من كلمات الملك كأنه يريد تنفيذ حكم الإعدام بوزير داخليته... ارتدى أفقير بزة المظلي التي قدمها له طيار الطوافة الملكية، وانتزع من أحد الطلاب الضباط رشيشة، وانطلاق إلى حملة قمع الفتنة. بدأت مرحلة الردع. منذ ساعتين، كانت إذاعة المغربية تعلن"مات الملك، تحيا الجمهورية" تبث، بعد ألحان موسيقى عسكرية، بلاغا مسجلا:"الجيش، الجيش استولى على السلطة. اليقظة، اليقظة، الشعب مع جيشه في السلطة. عهد جديد قد بزغ".

 يُتبع...