بديل ـ الرباط

غير أن الإتحاد الإشتراكي نشر بيانا انتقاميا ينتقد فيه الحكومة على "استعدادها المسبق للتعقل، بل و التنازل المحتمل عن السيادة المغربية على المقاطعات الصحراوية". هكذا بدأ مشهد معركة تثير الفضول، ذات جبهة منقلبة: إثارة الشبهات حول عزم الملك على التخلي عن قسم من مملكته، بينما اليسار يتنكر لنزعته العالمية ويثبت عينه بشراسة على خط الكثبان الرملية الأصفر.

أوقف عبد الرحيم بوعبيد. إنها المرة االأولى منذ الأستقلال.

كان قد ألقي القبض عليه في حملة 16 تموز 1963، عندما التقطت الشرطة دفعة واحدة مجموعة اللجنة الإدارية لحزب الإتحاد الوطني للقوى الشعبية. غير أن الشرطة أطلقت آنذاك سراحه بكل احترام بعد معرفة هويته. بعكس بن بركة أو البصري، كان بوعبيد يبدو أكبر من أن يُمس. الصحيح حتى في مغرب الحسن الثاني يجب أن يعطى أحيانا للسجن استحقاقه. هذه المرة هوى بوعبيد. الصحراوي جعله أخيرا يستحق التعرف على السجن الملكي بعد أن دخله أعضاء حزبه مرات و مرات، لكن في ظروف أكثر رفاهية بما لا يقاس. اعتقل معه أربعة من أعضاء المكتب السياسي المشاركين في البيان المعتبر جرميا، ومنهم محمد اليازغي، نائب القنيطرة و مدير صحيفة المحرر التي مُنعت من الصدور.

اتهموا استنادا إلى ظهير 29 حزيران 1935 "المتعلق بقمع التظاهرات المعاكسة للنظام، و التي تمس الإحترام الواجب للسلطة". هذا الظهير الصادر في عهد الحماية الفرنسية كان مثار سخرية جميع المغاربة الذين أطلقوا عليه لقب "ظهير كل من" لأن كل فقرة من ففقراته تبدأ بهذه الكلمة. رفض القصر على الدوام إلغاءه رغم مطالبات المعارضة المتواصلة. حُكم على عبد الرحيم بوعبيد في عامي 1944 و 1952 بموجب "ظهير كل من" من قبل المحاكم الفرنسية.

عاقبت المحكمة بوعبيد و اثنين من أصدقائه بالسجن الفعلي لمدة سنة.

زاد الحسن الثاني في الدعابة السوداء، فأمر بنقل بوعبيد إلى سجن في ميسور على بعد 400 كلم من الرباط. إنه ذات المكان الذي سجنت فيه السلطات الفرنسية الوطنيين.

بدا الإجتماع الوطني مشبوها. رفض نواب الإتحاد الإشتراكي أن يتخذوا أماكنهم في المجلس، بعد أن مدد له الملك بحجة أن الرهان الصحراوي يفرض مهادنة سياسية. حضر الحسن الثاني بنفسه إلى المجلس النيابي، ليلقي فيه مرافعة نادرة بعنفها ضد الأربعة عشر نائبا الغائبين:"بقرارها، لم تضع هذه الأقلية نفسها فقط خارج الشرعية، و إنما خارج المجتمع الإسلامي. يجب إذن ألا تنتظر حماية القانون لها". صفق جميع الحاضرين في المجلس، وقوفا، للملك، لمدة دقائق.

يُتبع...