بديل- الرباط

تولى عبابو إدارة المدرسة العسكرية "هرمومو"، قلب بلاد "الأمازيغ"، وجعل منها جحيما عسكريا لا مثيل له، على الأرجح في العالم، أخضع فيه ضباط المستقبل، لنظام فولاذي، وجدوا فيه أنفسهم، من الصباح حتى المساء، خاضعين لتدريب مكتف متواصل، ليس الهدف منه أن يكتسبوا المهارة التقنيةالضرورية، بل ليتحولوا إلى أشخاص آليين، متحمسين، مستعدين لتنفيذ أي أمر موجه إليهم. كان برنامج المقاتل مستوحى من برنامج البحرية الأمريكية، غير أن عبابو طوره بشكل جذري، حتى غدا محنة قاسية يومية. تدريبات نهارية وليلية، تتم بالذخيرة الحية.
أدار عبابو القصير القامة، الضامر الجسم، مدرسته العسكرية، الأشبه بسجن أشغال شاقة، مثل طاغية مستبد، يقوم مساعده الأول "عقا"، العملاق الوسيم الوجه، الموشوم اليدين والذراعين، بمهمة وصيف وحارس شخصي له. تجاوز "عقا" الخمسين من العمر، خدم ثلاثين سنة في الطوابير، وشارك في جميع معارك الجيش الفرنسي، من إيطاليا حتى الهند الصينية. وهو يكن ولاءً مطلقا لعبابو. لو طلب منه أن يقتل الملك لفعل دون تردد. وقد شاء قدره، أن يجهز على الرجل الذي أقسم له يمين الإخلاص. لم يكن عبابو وحشا عسكريا فقط، حتى أعداؤه وهم عديدون يعترفون بذكائه، يقرأ كثيرا، عدا أنه محتال ماكر. نشرت السلطة بعد مقتله، قائمة بأملاكه: فيلتان، ومزرعة وصالة شاي وحلويات في الرباط، استغل إدارته للمدرسة العسكرية، فاقتطع دون حياء، من مخصصات إطعام الطلاب الضباط النصيب الأوفر، وألزمهم بدفع ثمن الكتب الدراسية ليستردها في نهاية الدورة، دون تعويض لهم، ليبيعها مجددا للوافدين للدورة الثانية.
أرسل منهم مغاوير لنهب المشاغل، والورش المجاورة لمصلحته. تملَّك المزرعة المجاورة للمدرسة عنوة، وعندما اشتكى صاحبها، وهو احد البرجوازيين المدنيين، استدعى الملك اعبابو وقال له: "لماذا لم تخبرني لأدبر لك الأمر؟" ومنحه شيكا بقيمة المزرعة.
كان الحسن الثاني يعرف جيدا اعبابو، فقد عمل مرافقا عسكريا لأخيه، الأمير عبد الله، قبل تعيينه مديرا للمدرسة العسكرية، العِشرَة اليومية لصاحب السمو "51 في المائة" (الأمير عبد الله) لا تعد تدريبا على الإستقامة والنزاهة، لذلك لم يلاحظ اعبابو أي تناقض بين اقتطاعاته الشخصية ودور المنظف للإسطبلات، وعندما تجادل مع أخيه الأكبر، العقيد أيضا إنما من طينة أقل جرأة، وقد لامه، خجلا على تلوث سمعته، أجابه: "لم آخذ إلا حصتي من قرص الحلوى".
اعبابو، ابن قرية مدبوح لذلك اشترك دون تردد في مؤامرة الجنرال والطلاب، الضباط الآلاف وأربع مائة سيشكلون حربة الإنقلاب. جرت محاولة أولى في 14 مارس، 1971، قبل شهرين من مذبحة الصخيرات، على طريق الحاجب إلى آزرو، حيث كان الملك متوجها في موكب لحضور مناورات عسكرية، وضع اعبابو، كمينا من طلاب المدرسة لاعتراض الملك، غير أن الجنرال المذبوح كان في موكبه، وقد لاحظ طائرة هيليكوبتر، تحوم فوق الموكب الملكي وخشي أن يكشف الطيار موقع الطلاب المترصدين فوجه باللاسلكي أمرا إلى اعبابو بسحب طلابه.
امتثل العقيد للأمر، لكنه شك في عزيمة الجنرال، يجب تنفيذ المؤامرة أثناء احتفال الملك بعيد ميلاده في الصخيرات، أو التخلي عنها مدة طويلة، فطلاب مدرسة "أهرمومو"، سيتخرجون في نهاية شهر تموز، وسيوزعون على الوحدات العسكرية، لكن ألا يُهيئ الاحتفال الفرصة المناسبة؟
العائلة الملكية في متناول اليد، والحكومة بكاملها، معظم ضباط الأركان وخاصة قادة الوحدات القادرة على مقاومة الانقلاب، وحدات المظليين، والدرك والأمن العام.

يتبع...