بديل ـ الرباط

هذا الرجل الضامر، الصريح كأن التجارب و المحن قد صقلته، كان من أصغر المقاومين سنا، وُلد في دوار تنزرفت على مشارف جبال الأطلس العليا. كان في الرابعة عشرة من عمره، عندما اكتشف، وهو يهبئ أكياس النخالة مع أمه، مسدسين و ستمئة خرطوشة مخبأة في النخالة؛ لا شك أن أخاه البكر صاحبها، وهو مقاتل سابق من جنود الحرب العالمية الثانية، وقد غادر منذ مدة طويلة المنطقة. في الليلة التالية لم يغمض له جفن وهو في السرير مع المرأة ابنة الأحد عشر عاما التي اختارها له والده زوجة. ومع الفجر قرر أن يلتحق بالمقاومة.

دربه أحد أعمامه على إطلاق الرصاص، ثم قدمه إلى أحد المقاومين المعتمر بجيب جلباب مرتد على رأسه، الذي طلب منه تسليمه المسدس (لم يعترف أحمد، من منطلق الحذر، إلا بمسدس واحد) ليضعه في يد قادرة على تنفيذ حكم الإعدام بخائن في المنطقة. رفض أحمد تسليم السلاح، وأعلن أنه سيقتل الخائن بنفسه. أطلق النار في الليلة نفسها على الخليفة متنفذ القرية، المتعاون مع الفرنسيين وهو عائد إلى منزله راكبا ظهر بغل، ومعه معاونه. ثم هاجم وحده قافلة عسكرية متوجهة إلى مراكش لتشترك في عرض عسكري، وقتل وجرح عددا من الجنود، كما جُرح هو نفسه في ساقه. ساهم بعدها في جميع نشاطات المقاومين ضمن منطقة مراكش، وغدا بطلا شعبيا.

ماتت زوجته منذ مدة طويلة، وولداه لا يأتيان إلا نادرا لزيارته: الأطلس الأعلى بعيد عن القنيطرة. شهد محكومين عديدين بالإعدام يتوجهون إلى عمود تنفيذ الحكم: عشرات من محكومي الحق العام، طيارو مؤامرة عام 1972، المحكومون السياسيون السبعة الذين أعدموا بتاريخ 27 آب 1974 – أولئك الذين أطلق عليهم عبد اللطيف اللعبي في قصيدته له اسم "مصلزبي الأمل" – أخيرا المدرس الشاب ادريس الملياني الذي أعدم رميا بالرصاص في غابة المعمورة.

سمحت له إدارة السجن، منذ ثلاث سنوات ، بالخروج من قسم المحكومين بالإعدام أربعة أيام في الأسبوع ليلتحق بالجبهيين. في كل مرة بخرج من قبره كما إليعازر قاهر الموت، وقد أكد عدم إمكان البقاء على قيد الحياة في زنزانة المحكوم عليه بالإعدام إلا بالتزام الصمت التام.

هو لم يتكلم منذ اثنتي هشرة سنة. أما الآن فإنه يصمت ثلاثة أيام في الزنزانة، وأربعة أيام في ذلاقة لسان مع رفاقه الجبهويين: هكذا الآن تمر أيام عيشه.

في 6 ايار 1989 وبعد أربعة عشر عاما أو خمسة عشر عاما، وفق بدء محكومية السجناء، صدر عفو ملكي لمصلحة الجبهويين.

لكن هذا العفو لم يشمل ابراهيم السرفاتي و سبعة من رفاقه.

مرة أخرى أيضا سُخر من المنطق. أُطلق سراح عبد الله ظاظا المحكوم بالسجن المؤبد، الذي لم يُخفف عنه الحكم في أي عفو سابق. بينما حبيب بن مالك، وعبد الله الحريف، و أحمد راكيز المحكومون بعشرين سنة بقوا في سجن القنيطرة.

يُتبع...